‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصص ومقالات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصص ومقالات. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 6 نوفمبر 2019

جامعة الخيمة..!! / الشيخ التجاني ابن المشري

جامعة الخيمة..!! / الشيخ التجاني ابن المشري

نحن هنا في دولتنا الفتية موريتانيا ، نعيش على بعد أمتار من الخيمة ، هذا المسكن الحميم ألفناه جيلا بعد جيل ، ربما نكون من آخر الشعوب التي تمسكت به شكلا ومضمونا ، تَمسكنا به وبرديفه

بيت من الشعر أو بيت من الشَّعَرِ

الخاصية التي يتميز بها هذا البيت " الخيمة " عن غيره هي الانفتاح الزائد ، فمن كل وجهة يمكنك الدخول والخروج ، وأهل " الخيمة " يستقبلون القادم في أي وقت ، و " الخيمة " يسكنها جميع أفراد الأسرة بلا حواجز ..!!

هذه الظروف ولدت ثقافة يمكن أن نصفها بثقافة " الخيمة " تطبعها البساطة والإيثار من جهة ثم اللامبالاة وإهمال الشكليات من جهة أخرى .. وهذا كله مقبول إلى حد ما، غير أنه من غير المقبول أن يكيف بعضنا جميع منشآت الحياة العامة لتطابق خصائص الخيمة ..

فالمسجد مثلا نريد منه أن يكون " خيمة " مفتوح الأبواب طوال الوقت مما يؤثر سلبا على صيانته وحرمته ..

والمحظرة كذلك كأنها خيمة يدخلها الطالب متى شاء ويخرج متى شاء ، وكم يقضي بين الجيئتين لا يهم إنه طالب علم لذا ينبغي أن يجد كل التسهيلات ...

لذلك كان من الطبيعي أن يكون مألوفا عندنا أن تبقى الجامعة منسجمة مع هذا النسق العام .

كان من الطبيعي أن لا يتقبل المجتمع الحد من الفوضوية وإهمال عامل الوقت الذين ألفهما.

لكن هل نحن فعلا محقون في ترك الأمور بهذه العشوائية ..؟

لماذا جل المحاظر لا توجد لديهم سجلات لضبط دخول الطلاب وخروجهم في عالم أصبح فيه التدقيق والمتابعة عاملين أساسين لاستتباب الأمن و الطمأنينة ؟

أجل ، العلم من المهد إلى اللحد .. لكن هل الغاية تبرر الوسيلة ؟ لماذا لا نقبل الحد في العمر ليس في العلم ككل بل في بعض التخصصات أو في بعض المؤسسات العلمية لأسباب موضوعية يراها القائمون عليها ؟ وهل أعظم من الجهاد وقد رد النبي صلى الله وسلم عنه بعض الشباب لعامل السن ؟ وقد أدركت شفقة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم شبابا فلم يقبل منهم المكث عنده في مجالس العلم والتربية أكثر من عشرين يوما لئلا تطالهم الوحشة والحنين والشوق للأهل كما في حديث مالك بن الحويرث رضي الله عنه عند البخاري .

وحد عمر رضي الله عنه كما في الموطأ فترة للمجاهدين للرجوع إلى أهلهم وذويهم ، وكان بوسعه أن يتركهم يجعلوا حياتهم كلها رباطا في سبيل الله ، لكنه لم يفعل لفهمه الصحيح لمعاني الدين ومبانيه.

نحتاج فعلا لتمارين على ضبط الوقت ، وليس ذلك تنقيصا من أي واجب كائن ما كان أن يحد له وقت ..

إننا في عالم أصبح الوقت فيه ذا قيمة خاصة ، وأصبح الشباب يتقلدون أسمى مراتب القيادة في سن مبكرة نتيجة طبيعية لجعل العلم أولى الأولويات ومنذ نعومة الأظافر.

وإذا ذكرنا أن بعض الجامعات تقبل التسجيل بلا قيد في السن ، فهلا ذكرنا أن جميع تلك الجامعات تخرج الأطر بأعلى الكفاأت قبل سن الرابعة و العشرين ، لماذا لا يركز بعضنا إلا على الجزء الفارغ من الكأس ..!!

نحتاج لكي نكون واقعين النظر في الأسباب التي جعلت البعض يتأخر في الدراسة ..

تلك الأسباب التي في مقدمتها عندنا كموريتانين ـ في الغالب الإهمال وعدم الجدية وللأسف الشديد التحايل فلنكن واقعيين ولا نغرر بشبابنا ونورثهم مورثنا من البداوة و الكسل.

نعم لحد سن لولوج الجامعة ، لكن هؤلاء الشباب الذين عبروا عن تمسكهم بخيار التعلم ينبغي تشجيعهم بالتأهيل المباشر فليست الجامعة هي وسيلة التعلم الوحيدة ، وليست على الإطلاق الأسرع لكسب المهارات المتطلبة يوميا ..

ينبغي أن تكون هناك مراقبة صارمة على الذين يشغلون الطلاب بالممارسات النقابية المسيسة فيختطفوا منهم وقتهم الثمين فيكونوا ضحية للبقاء دون ركب إخوتهم وأقرانهم بالإعادة والرسوب ، وأخطر منهم أولئك الذين يستغلون الأطفال بطرق يعاقبها القانون ، كل أولئك الذين يعملون على فشل الطفل ينبغي أن يتابعوا بالوسائل الكفيلة للحد من ذلك ..

وإن كنا لا نستطيع مواجهة هذه العقليات فلنعلنها صراحة بتغير اسم جامعة انواكشوط لتكون " جامعة الخيمة " ولربما نجد على ذلك أعوانا من البرامج العالمية للتراث و من جمعيات الأصالة ..

فإلى أين نحن ذاهبون ؟


المصدر :  موريتانيا الآن 

الجمعة، 25 أكتوبر 2019

لنضمد هذه الجراح / الشيخ الخليل النحوي

لنضمد هذه الجراح / الشيخ الخليل النحوي
____________________________
العنف الذي قوبل به تطلع بعض شبابنا إلى الاستفادة من حق يفترض أن يكون طبيعيا شرعا وقانونا وعرفا، هو حقهم في مواصلة دراستهم... عنف لا يليق بنا.
لا يليق بنا لأننا أبناء ملة جعلت طلب العلم وبذله فريضة، وكان خطابها السماوي المؤسس {اقرأ باسم ربك}، وكان من شعاراتها الخالدة التالدة "اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد". أمة لو أنها وضعت متاريس عمرية على طريق طلبة العلم لما أنجبت الكسائي ولا ابن حزم ولا العز بن عبد السلام ولا المختار ابن بونه، وأمثال هؤلاء ممن قيل إنهم لم يطلبوا العلم إلا على كبر.
لا يليق بنا لأن كل أمجادنا بنيت على طلب العلم وبث العلم، ولأننا ما نزال نفاخر بأننا ندرس وندرّس على ظهور العيس، ولأنه لا محل في ثقافتنا وقيمنا لطرد طالب العلم عن الكروع في حياضه.
لا يليق بنا لأن الشباب المطالبين بحقهم في الدراسة لم يشغبوا فيما علمنا، ولأن آخر الدواء الكي ولأن الرفق ما كان في شيء إلا زانه ولا نزع من شيء إلا شانه.
لا يليق بنا لأن التعليم ومكافحة الغبن الاجتماعي كانا ركيزتين أساسيتين في برنامج رئيس الجمهورية وهو يحتاج منا، من أجل تطبيق هذا الشق من البرنامج، إلى مؤازرة بالأقلام والأفكار والحلول الذكية والعطايا السخية، لا بالعصي والهراوات.
لا يليق بنا لأننا في مرحلة اتخذت (تهدئة المناخ السياسي) عنوانا من عناوينها. ومن واجبنا جميعا أن نتعاون على ذلك ونعمل على سد منافذ الفتنة ونتقي الوقوع في الفخاخ التي تنصب في الطريق خطأ أو عمدا.
لا يليق بنا لأننا – وإن كان لنا فيما تقدم كفاية – موقعون على مواثيق دولية تعتبر الحق في التعليم حقا أساسيا من حقوق الإنسان، ولأن دستورنا ينص على ذلك.
لا يليق بنا لأن أمما أخرى لا تفاخر بالتدريس على ظهور العيس ولا يشكل بث العلم ولا طلبه فيها واجبا شرعيا أبديا، لم تضع سقوفا عمرية لمنع أبنائها من الالتحاق بالتعليم الجامعي النظامي.  في دراسة شملت 26 بلدا أوربيا نشرت جريدة لوموند الفرنسية بعض نتائجها قبل بضع سنين تبين أن متوسط عمر الطالب الجامعي في مرحلة الليسانس هو 26.6 سنة في الدنمارك و26 في بريطانيا و25.5 في السويد، وكشفت الدراسة أن 40% من الطلبة في الدنمارك لا يلتحقون بالدراسة الجامعية إلا بعد سنتين من حصولهم على البكالوريا. وفي دراسة نشرتها جامعة جنيف تبين أن 15.5% من طلاب الجامعة تتراوح أعمارهم بين 25 و29 سنة، وأن 5.4% تبلغ أعمارهم 35 سنة فما فوق. وهي تقريبا نسبة الفئة العمرية (30-34 سنة) في التعليم الثانوي المهني. وفي دراسة أخرى نشرتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OCDE) تبين أن سن الحصول على أول شهادة جامعية تصل في بعض الدول الأعضاء إلى 35 سنة (حالة إيسلندا). وفي عام 2016 حصل الطالب الياباني Shigemi Hirata وهو في السادسة والتسعين من عمره على شهادة الليسانس من جامعة كيوتو.
وتلك قيم وتقاليد كنا أحق بها وأهلها!
هل هي مسألة إمكانيات وطاقة استيعاب؟
حتى هذه – على فرض أنها السبب – لا تسوغ ما حصل.
إن صحت المعلومات المتداولة، فإن عدد الطلبة الذين كانوا في نفس الموقف العام الماضي (نحو 1400) يساوي ضعف عدد نظرائهم هذا العام (أقل من 700)، وقد عولجت مطالب أولئك ورتبت لها أو لبعضها حلول، فما المانع من معالجة مطالب هؤلاء؟ والحال أنهم أقل عددا وأن الناجحين في الثانوية العامة هذا العام أقل عددا أيضا، وفي ذلك ما يقتضي أن يكون الازدحام على مقاعد الدراسة هذا العام أقل منه العام الماضي.
أيا يكن الأمر، فإننا، وقد وقع ما وقع، بحاجة ماسة إلى أن نتبع السيئة الحسنة لعلها تمحوها.
الجراح النازفة من بعض شبابنا تتطلب ضمادا من نوع مختلف: مقاعد للدراسة، وتدابير احترازية مستقبلية تمنع تغول العصا على القلم والسوط على الحلم.

من صفحة: الخليل النحوي 

الثلاثاء، 22 أكتوبر 2019

الملخص..11... الدهماء ريم

الملخص .. 11
........
اكتشافي للإسلام أمر عظيم، اسلام البظان طبعا.. إيمان "كَوميات" يلمسني بعمق، هؤلاء الرجال الذين ينحنون اتجاه مكة خمس مرات في اليوم دون أن يخدش الشك إيمانهم لحظة، هذا يعيد إليَّ صورة كفري.
رغم فوران الحماس لدينهم، يُظهر هؤلاء المؤمنون الكثير من التسامح اتجاه الديانات الأخرى، وهذا ما يربكني تعجّبا!
يقبل البظان مرافقة النصرانى دون قلق.. يعتبرونه من أهل الكتاب، وصلاته من عدمها شأن شخصي، فالله أعلم بعباده.. لم يحرجوني بإيمانهم، ولم يسعوا في دعوتي لديانتهم.
الرماة المسلمون أكثر قسوة معي، ومع ذلك أقل تأدية لصلاتهم.. يقولون إن المسيحيين كفار، ولا يتوقفون عن التحرش بي لأنطق الشهادتين بالعربية. هذا النعت بالكافر يجرحني، أحاول أن أوضّح موقفي بالدفاع عن الإله الواحد، فأنطق لهم الشطر الأول من الشهادتين، لكن أرفض الذهاب إلى ابعد ذلك.. إلى الجزم بأن النبي محمد هو آخر الأنبياء.

 فكرتُ في الزواج ثانية، وبما أنهم لا يأذنون لنا بالإغارة، وبما أن معرفة "الزّمور" تأخذ وقتا يطول، فلماذا لا نبحث عن متعة الجنس.. المحاولة الأولى لم تكن جيدة، فهي من نوع الانطلاقة المتعثرة، فعلي أن أجرب الانتكاسة اتجاه النساء.. لجأتُ لصديقي ثانية، هذه المرة أرغب في عذراء فعلا، أسرتها أعلى شأنا اجتماعيا من زوجتي السابقة، وسأدفع مهرا صحيحا أثمن، زيادة في النوق وفي السكر مع مطية وهودج، وكسوة وحلي.. أريد امرأة من وسط نبيل من الشمال، وقد وُفِّق صديقي في الحصول على مبتغاي؛
اخبرتُ النقيب فأبدى غضبا شديدا.. يرى أن الوقت غير مناسب، ولا يفهم سبب اصراري على أن تكون الفتاة من أسرة نبيلة، في حين يكتفي الآخرون ببنات الخدم والصناع والمطلقات اللاتي يحمن حول مخيم "كَوميات"، لكن ما يحصل مع هذه الفئة لا يتعدى نشوة نادرة، تُقْطف على عجل وراء شجرة، هذا فعلا يستكفي به الكثير منهم...
قال لي النقيب: «إذن لم تستكف بالدرس الماضي.. ستفقر مرة أخرى من أجل داكنة؟ ستنتف ريشك.. من الأفضل أن تقتصد وتحافظ على مدخراتك كالآخرين لتقيم عرسا جميلا عند عودتك إلى فرنسا...»
 إني أتفهمه فهو يحافظ على معنويات جنوده وضباطه، وأنا من أفضلهم.. هي نصيحة منه يريد بها أن أفهم أن النساء لسن في أولوياته.
استدعيتُ جميلتي ليلة 14 من الشهر، يوم عيد العشاق، ليس لأني مؤمن بالخرافات، لكن من يدري، قد يتبسم لي الحظ.. يتبسم لنا.
أعود الى "أكيطوني" ودقات قلبي أقوى من مرتي السابقة.. القلق يمتزج مع الأمل.. تنتظرني الفتاة، وقد قدِمت وحدها.. جميلة، شابة صغيرة، صغيرة جدا، "آمنة"، بين 13 الى 14 سنة، غير مُدركة، حاسرة عن وجهها، تتكلم مع الخادم دون تحفظ، يتحدثان كأصدقاء قدامى، ارتبكتْ قليلا لحظة قدومي، لم تتجرأ على النظر إليَّ، لكنها ردت بودٍّ على تحيتي..
ذعرت بداية من الملامح الصبيانية لخطيبتي الصغيرة... أذوب بألم تحت قبضة أحاسيس متناقضة تختلط فيها النشوة بالإحساس بالإثم.. احمرَّ وجهي، فلم أتعامل مع عذراء من قبل، فمن تعاملتُ معهن من قبل لم يكنَّ مُبتدئات في الجنس، تحاشيت دوما الاقتراب من آنسات وسطي، لا لأني أحسبهن أكثر احتراما من الأخريات، لكن لم أخاطر بتحبيل فتاة فتدفعني للزواج بها، فأفقدُ حريتي، وتنتهي المغامرة الاستعمارية!
أحدق في سجينتي الجديدة.. نظرة اشتهاء زرقاء.. العيون الزرقاء عند البظان ترمز للشيطان، ترتعب منها العجائز وحتى الصغيرات.. "آمنة" لم تخف، تبتسم على استحياء لمن زوّجت له.
بدون شك أنها رأتني من قبل، من بعيد، وهي مختبئة وراء ملحفتها. أن أكون نصرانيا لا يعني لها شيئا، إنها صغيرة لحد يمنعها من تقييم الأمور الدينية ووزنها.. ضابط فرنسي، فرصة لعرس جميل.. بنات عمومتها أفهمنها أنها محظوظة إذا ما قارنت نفسها بأختها التي مُنحت لعجوز من "الطلبه" أدرد وماكر.. لن تأسف كذلك على عدم إقامة حفل لعرسها!
الحفل ليس مريحا للموعودة، حيث يتعين عليها الاختباء طيلة اليوم في ملحفتها، في الوقت الذي يأكل فيه الآخرون ويمرحون، ليس لوالدها ولا لرجال الأسرة الحق في رؤيتها، تُزوّد بقدح من الأرز، أو صحن من اللحم، ولا يمكن لها أن تُغنِّي أو ترقص كالأخريات، ثم تتسلل في العتمة لتلتحق بالزوج الذي ينتظرها.. هذا أيضا غير مُبهج، الليلة الأولى هي الأسوأ، فأصدقاء العريس يتصنَّعون اختطاف العروس، في حين تقاوِم الفتيات بالضَّرب والشّجار.. العروس تتجاذبها أيدي مجهولة، وعليها أيضا أن تقاوم، أن تشتكي جهرا، أن تصرخ رغم خجلها وتعلن تمرّدها بقوّة... خصوصا تجتهد في اظهار خجلها، حيث إن خجل المرأة يرقى بشرف الرجل.. "آمنة" تتساءل لماذا؟ فما دام الجميع موافقون ما الفائدة من هذه التمثيلية؟ إنها تتذكر زفاف شقيقتها الكبرى..  لقد صرخت في عرسها من الرّعب فعلا، لا تمثيلا، وجرى دمعها ذعرا وخيبة أمل حين حملها الرجال إلى العجوز الخشن.
يجزم البظان أن النصارى لم يبق لهم الكثير من الوقت في البلاد، وأن من تزوجن منهم ستجدن أنفسهن مهجورات.. في "آدرار" يكثر عدد النساء المهجورات، والخلساء يصعب احصاؤهم.
"آمنة" تظن أنه من الجيد الحصول على طفل من ضابط، ومن الجيد أيضا أن تكون مهجورة لتتخلص من سلطة الأسرة، فتتزوج بإرادتها.. الخلساء ينضمون لمدارس أبناء الشيوخ، وهو ما كان يسمي "مدرسة المُحتجزين"، حين كان قائد الدائرة يرغم النبلاء على تسليم أطفالهم ويحتجزهم، كوسيلة ضغط عليهم وكذلك للتأكد من عدم انضمامهم للمقاومة.
البظان يهزؤون منا، ويرسلون عبيدا صغارا بدل أطفالهم.. وتحبك اللعبة، لكن الخلساء شيء آخر، إنهم مقدرون.
وبعد نهاية فترة المدرسة سينتسبون بسهولة للإدارة أو لفرق "كَوميات"، كما أن أمهاتهم في أمن من الحاجة.
ما عدتُ أرى إلا الجوهرة التي أمامي، حورية من الجنة، كما يردد "كوميات" في أغانيهم.. أغادر قبل طلوع الفجر، جسمي مبقّع بالصبغة الزرقاء، والذهن ممتلئ بمتعة ليلة العرس.

من صفحة :eddehma rim

الملخص..10 الدهماء ريم

الملخص..10
.............
 نحن الآن في نوفمبر 1933م.. السلام يعمُّ موريتانيا، ولم يعد الضابط الفرنسي مطالبا بالنوم في وضعية القتال، ولهذا أتوق لاتخاذ شريكة، لكن كيف؟

في المراكز يعيش جنود وضباط مع بعض النساء، أما في فِرَقِ البدو فالأمر أقل شيوعا، بدأتُ في الاستطلاع دون الكشف عن رغبتي، فعلمتُ أن الحصول على شريكة يستوجب دفع مهر، كما سيخضعني لتمثيلية زواج تحفظ للفتاة ماء وجهها، أو بالأخص تصون رجال أسرتها من الخجل والعار.
أخبروني أيضا أن الضابط يجب أن يستعلم عن رتبة القبيلة التي ينوي مصاهرتها، وسيخسر هيبته إن قبل بخطيبة من أصل متدنٍّ، بينما لو صاهر "خيمة كبيرة"، سيرتقي بصورته.
أميرة من البظان.. البظانية مصدر ثمين للمعلومات، فهي عليمة بكل ما يدور في التجمعات، وبالعلاقات بين القبائل وحتى بالنزاعات الفردية..
لجأتُ لصديق من البظان، من العرب المحاربين، ليليّ الطبع، زير نساء، وسيم، شاعر، استقبل طلبي بشكل طبيعي، لكن ما أثار استغرابه هو عزوف زملائي من الضباط عن النساء.. الرماة يدفعون ويمارسون مع العبيد، وضباط الصف يمارسون مع العاهرات في المراكز.
استفسر صديقي عن مواصفات الفتاة، عن عمرها، عن عذريتها.. كان شرطي الأساس أن تكون بصحة جيدة، ومن أسرة نبيلة.
وعدني بالحصول على مبتغاي مقابل ثمن.. وعليَّ أن أدفع لها المهر، وأن أوفر لها ناقة حلوبا.
بعد أيام، اتصل بي صديقي هذا صحبة رجل آخر، مضطرب النظرات، واحد من المدنيين المريبين الذين يحومون حول مخيم "كوميات" طلبا للمعلومات، أو بحثا عن الصّدقات أو لبيع بعض الأغراض.. الرجل من أطار، من قبيلة زوايا، شرح لي صديقي أن المعني لديه أخت يمكنه التنازل عنها مقابل ناقتين بحيرانهما، و5 كلغ من الشاي، و10 كلغ من السكر: المهر.
قبلت دون تردد، أجهل فحوى هذا النوع من المداولات.. وكنت سعيدا بالنتيجة.
ساورني شك قوي بأن صديقي كان له نصيبه من العملية، لكن في الأمر عدْل!.
التزموا بإنهاء الترتيبات مع لمرابط وبدون حفل، ستقيم الفتاة مع قريبتها في مخيم "كوميات" على أن تلتحق بي كل مساء، وسألتزم بنفقتها وكسوتها مع بعض الهدايا من وقت لآخر.
في الوقت المحدد أحضرها أخوها، أقام عاملي الشاي وتعمد تسريعه، ثم انسحب الأخ، فوجدتني وجها لوجه معها في العتمة، وجه معتم، عيونها تلمع خاليَّة من أيّ انطباع فوق نقاب تشده على وجهها بداعي الاحتشام أو الغنج..
لا تظهرُ انطباعا بالخوف، حين تمدَّدتُ بجانبها لم تبد اعتراضا، لم يكن في نيتي أن أسرف في غنيمتي، أردتُ مغازلتها لكن لغتي العربية فقيرة..
-ما أسمك؟ -ابريكه...
أخذتُ بيدها.. يد صغيرة لينة، مصبوغة بالنيلة، انزلت النقاب واكتشفت وجهها، ليست بالقبيحة ولا الجميلة.. قلتُ لها إنها جميلة.. ومددتُ لها وسادة ودعوتها للإضجاع.. فنفَّذت مع بعض الضجر، لم تكن عذراء، ولا تحمل أي مشاعر تفاعل، مجرد جسد مُحايد، بارد ويدعو للندم.. كانت صدمة.
مع الأسف، توالت الليالي دون تحسن، و"ابريكه" لا تبكي ولا تضحك، لا تملك من المشاعر غير الشّراهة للتحصيل، فلتحسين مزاجها يتعين عليَّ منحها ملحفة أو سوار فضة، أو بعض الحلي الرخيصة، وفور حصولها على مطلبها، تنطلق صوب زمرة النساء تتباهى علهين بما أعطاها النصراني.
حين لا أعدها بشيء، تجتهد في ابداء سوء حالها، تعرض ثوبها الممزق الذي يستلزم استبداله على عجل.. وحين تتأخر النقود، تستدعي أخاها.. شخص نذل، يدور حول المخيم بتثاقل، يديه خلف ظهره.
أجد هذا النذل كل يوم جالسا القرفصاء عند مدخل خيمتي حين ينزل الضباط لأخذ قيلولة، يحييني الدنيء مُطوَّلاً، ثم يجلس على الحصير رغم أنني لا أدعوه.. الضيافة مقدسة في أرض البظان، ولذا أنا مرغم على مناولته الشاي، لكن بعد أسابيع من الصبر على الجشع والتجاوزات طردتُ الأخ، وحرّمتُ الأخت. 
- يتواصل بإذن الله -
من صفحة: eddehma rim 

الاثنين، 21 أكتوبر 2019

كتب محمد سالم المجلسي على صفحته في الفيسبوك

من الشُّبهات التي بلغتني عن السَّاعين لإطفاء جذوة تعظيم السُّنَّة في قلوب المسلمين قولُهم إنَّه قد انتقد الصَّحيحين أئمَّة قبلهم..فيُشيعون ذلك زرعا للتشكيك في البخاري ومسلم  وجعلهما مظنَّة للأحاديث المردودة, فأقول قدحا في مرامهم الباطل, وفضحا لنظامهم العاطل:
1. قد انتقد بعضَ أحاديث الصَّحيحين أئمَّة عظامٌ كالدَّارقُطني وأبي مسعود الدمشقي وأبي ذَرٍّ الهروي وأبي عليٍّ الغسَّاني...ولم يُنكر أئمَّة الإسلام حدوث ذلك, ومعلوم أنّها اعتراضات أئمَّة في مقابل تَصحيح الشيخين, وليس كلُّ اعتراض مقبولا, بل لا بد من الرُّكون إلى منهج الاستدلال,  وقد أوصل الحافظ ابن حَجر تلك الأحاديث المنتقدة إلى مائتَي حديث وعشرة أحاديث, وقسَّمها إلى أنواع, وأجاب عنها, وقد قال في "هدي السَّاري" عن تلك الاعتراضات: (وليست كلها قادحة, بل أكثرها الجواب عنه ظاهر والقدح فيه مندفع، وبعضها الجواب عنه محتمل, واليسير منه في الجواب عنه تعسُّف)
وإليكم لُقمةً يَغصُّ بها مُنكرو السُّنة, وسَهما يُصيب في مقتل مسعاهم الخبيث لطمس أحكام الحديث بمثل هذه الشُّبهة..حيث بقيَت آلاف الأحاديث في البخاري ومسلم لم يجد حفاظ الحديث المتقنون لعِلَله سبيلا إلى انتقادها من أيِّ وَجه, فأين منها الطَّاعنون الضَّاربون أخماسا لأسداس؟
2. إنَّ للنقد شرطين لا بدّ من توفُّرهما لقبوله, وهما سلامة القصد ووفرة العلم.
أمَّا من انتقدوا الحديث من الحفَّاظ فقد كان قصدُهم سليما..حيث راموا تعظيم السُّنَّة وتصفيَّتَها من كلِّ شائبة, ولا يرون حافظا معصوما من وَهم أو خطأٍ في الفهم, ولولا إجلالهم للصّحيحين ومعرفتهم قدرَ صاحبيهما لما طرقواْ أبوابَ نقد بعض أحاديثهما.
أمَّا المشكِّكون في الصّحيحَين المبغضون للشَّيخين فإنَّما يرومون الطَّعن في السنَّة وردَّ الحديث كلِّه..فهم وإن جلبوا نقد الدَّارقطني لبعض أحاديث الصحيحين ليُزهِّدوا النَّاسَ فيهما فإنَّهم أبعد خلق الله عن العمل بنحو أربعة آلاف وثمانمائة حديث أسندها الدَّارقطني في سُننه.
فشتَّان ما بين معظِّم للسنّة وساع لطمس معالمها !!
وأمّا شرط العلم فظاهر في الحُفاظ النُّقاد..فقد رحل الدارقطنيُّ -مثلا- إلى الكوفة والبصرة وبغداد والشام وواسط ودمشق ومصر ومكة وخوزستان وفلسطين والرّملة وكان يطلب بها الحديث ويُحدِّث..فيُفيد ويستفيد.
وقد قال عنه ترجمان أهل الحديث الخطيب البغدادي: (انتهى إليه علم الأثر والمعرفة بعلل الحديث وأسماء الرجال وأحوال الرواة، مع الصدق والأمانة والفقه والعدالة وقبول الشهادة وصحة الاعتقاد وسلامة المذهب)
أمّا هؤلاء الطَّاعنون في السُّنَّة فجهَّال لم يعرفوا ذلك الطَّلب..ولم يرحلوا إلَّا لبعض بلاد الكفَّار معجبين بأمرهم, وتائهين بخَمرهم..ثمَّ يتَّهمون البخاريَّ الذي أخذ عن علماء بلده ثم رحل إلى الحجاز ومدن الشام ومصر وخراسان والعراق ومحدِّثي الأمصار حتّى صار أعلم النَّاس بالعلل وأحفظهم للحديث, ومضرب المثل في التَّقوى والورع.
3. ليت أولئك الطاعنين يَخطُون خطوة في الاتِّجاه الصَّحيح منطلقين من العلم قبل الحكم ليوافقوا بذلك أشهر ما توافقت عليه العقول في كلِّ ميدان علمي, ويتمكَّنوا على الأقل من شرح قول الدَّارقطني حين سئل عن حديث النبي صلَّى الله عليه وسلم قال: (سيأتي الناسَ زمانٌ يكون فيه قوم يأكلون الدُّنيا بألسنتهم، كما يَلحس البقر على وجه الأرض)
فقال: يَرويه أبو حيَّان التَّيميُّ عَن مُجمِّع التَّيميِّ عن عُمر بن سَعد عن سعد.
ورواه ابنُ فُضَيل عن أبي حيَّان فقال: عن مصعب بنِ سَعد عن أبيه.
والأول أصوب.
4. لا ريب أن حلَّ لغز جسور كونيغسبيرغ السَّبعة  واكتشاف علم التِّبوغرافيا الذي اكتُشف من خلال مخطط العالم الرياضي أويلر الّذي حلَّ اللغز..أهون على بدَويٍّ يتبع بغنمه مواقع القطر في مَهامه هذه البلاد المنسية من أن يفهم أولئك الطَّاعنون في السُّنة علم العِلل وصناعة الحديث.
وذلك لأنّ البدويَّ مرتبط بتلك الأرض مجرِّب لطرائقها أما الطاعنون في الحديث فلا علم لهم به البتَّة ولا يلوون على مظانِّه.
ومن العجب خوضهم في التاريخ وعلم الآثار ثمَّ لا يلتفتون إلى هذه الكتُب النَّفيسة والآثار النَّادرة الَّتي يحار العقل الآلكترونيُّ اليوم من تبحُّر أهلها ودقَّة منهجهم العلميِّ فيها, بل شهد بذلك المنصفون من كل الملل والنِّحل, بل أثبت الألمانيُّ "هارولد موتزكي" دقّة علم الحديث وصحة نتائجه..ونوَّه "برنارد لويس" في كتابه "تاريخ الإسلام" بذلك الفحص الدقيق للروايات, وقال إنَّه لم يسبق له مثيل في العصور القديمة كما أنَّه أفضل مما وُجد في العصور الوسطى وفي العصر الحديث.
أيُّها الطّاعنون –وأنتم للكفر أهل-  إنَّ السنَّة مبيِّنة للقرءان المحفوظ, وحفظ المبيَّن يستلزِم حفظَ المبيِّن له..(فأين تذهبون إن هوَ إلَّا ذِكرٌ للعالمين)

من صفحة : محمد سالم المجلسي المجلسي 

الأحد، 20 أكتوبر 2019

الملخص رقم 9...الدهماء ريم

الملخص..9
........
في المعارك الصحراوية، ما يهم ليس عدد القتلى في ساحة المعركة، بل السرعة التي نعود بها إلى تجمعاتنا بأكبر كم من الغنائم، إنها حرب مادية أكثر منها حربا دموية.. الغرض أساسا هو إضعاف العدو، لا القضاء عليه.. وكذلك اعترافه بالهزيمة، وبحق القوي في السيادة، أو حتى بدفع الجزية اعترافا منه بالخضوع.. الأقوى كان دوما أميرا أو قبيلة مقاتلة، أما اليوم فالأقوى هو الحكومة، شيء وهمي وغير منطقي لأناس لم يعهدوا إلى غيرهم أبدا بالحق في تصريف شؤونهم.
كثيرا ما تقتصر التدريبات والمناورات على الرماة فقط، أما "كوميات" فلا تهمهم التدريبات، لم يشاركوا قط في أي عرض عسكري، وأقل من ذلك في الجري أوالقفز، ولو أرغموا على ذلك  لهجروا الجيش، هم أناس مولعون بالحرية لم يقبلوا أن يكونوا جنودا قياسا على الآخرين، ولا يمكن الوثوق في ولائهم التام، وذلك ما تأكد بالقرائن لدى الجيش الفرنسي، فقد سبق وهجروا الجيش أو اندسوا فيه كعملاء، أوحتى هربوا منه إلى العدو بعد أن قتلوا جنودا أو ضباطا.. هذه الأسباب حالت بيننا والثقة فيهم ولذلك استجلبنا وحدات الرماة لحمايتنا.
لكن حاجة الجيش الفرنسي إلى البظان بوصفهم من يتقن معرفة الناس والمراعي والإبل، تجعلنا مضطرين إلى الاحتفاظ بهم كما هم: محاربون ورعاة، أو بالأحرى قناصة، لأنهم يخوضون الحرب كقناصة لشدة ترشيدهم للرَّصاص.
هل تثير هذا الوضعية التي تمنح الحظوة للبظان حفيظة الرماة السود؟ .. الرماة ترويضهم سهل، يكفي أن نسترضيهم بأن البظان جبناء، يهربون عند الطلقة الأولى، وأن الرماة هم من ينقذ الشرف في المعارك الصحراوية.
في المقابل لا نمنح البظان طبعا الأسلحة الأتوماتيكية، لكن نوهمهم بأنهم العرق الأسمى بالمقارنة مع الرماة.
العرب عموما غير منضبطين بطبيعتهم، وأمراء أنفسهم، لكن البظان هم الأسوأ في عدم الانضباط، لكن لديهم قدرة رهيبة على التكيف مع الأهوال القاسية بمزاج ثابت أصيل...  أدرك أحيانا كم البظان مرحون، أعرفهم فوضويين خفاف، أحيانا متكبرين، لكن لم أرهم قط يقهقهون، واستغرب من سرعة استئناسهم بالغرباء.
من أروع ما أعجبني لدى البظان أن التراتب الهرمي الاجتماعي والتفاوت الطبقي الذي يضعون له ألف اعتبار، لا يظهر أبدا في علاقاتهم البينية، يظهرون كأصدقاء من زمن بعيد، كيف لأشخاص يلتقون منذ وهلة فقط أن يكون لديهم كل هذه الأشياء ليقولوها لبعضهم البعض.
طبعا الصحراء جد كبيرة، لكن القبائل محدودة، وكل فرد على علم بأخبار بقية القبائل ولو بالسماع، كما أن مسارات الرعاة تتقاطع، والبدو في حركة مستمرة والقصص تتداول، يرتادون نفس الآبار، ويتقاسمون الولع بالسلاح والصيد والرحلات الكبرى وطعم الاستكشاف، يحفظون نفس الشعر، يغنون نفس الأغاني، يعظمون نفس الأجداد، يصلون مجتمعين لإله واحد..
  - يتبع بحول الله -

من صفحة: eddehma rim 

الملخص..8 الدهماء ريم


الملخص..8
.........
إذا كان الرماة السود استقبلوني بحذر فإن كوميات البظان استقبلوني بلا مبالاة، لست في نظرهم أكثر من نصراني جديد (Nazaréen)، ويبدو أنني لن ألفت انتباههم، لكن عليَّ أن أتعلم منهم التعامل مع الإبل، الركوب والرعي، والمرعى، لقد أوصى علي الضابط "ديفال" كَوميا يدعى "العيد".. "العيد" على خلاف بقية البظان رجل أسمر، شعره أجعد وملامحه ثقيلة.. لفت انتباه الفرنسيين خلال معركة "لكَديم"، وهو مكان قرب "وادان" بآدرار، حيث وقع فصيل من فرقة البدو تحت ضربات الوغد الشهير أحمد ولد حمادي، وكان ذلك في ربيع 1924م. وعلى إثرها أحيط "العيد" بهالة كبيرة من الهيبة وكرمته فرنسا بمنحه وسام فارس من فيلق الشرف. 
في موريتانيا لا يتجاوز فصل الربيع عدة أسابيع، يسميها البظان "تفسكي"، وهي الفترة الرابطة بين منتصف ابريل ومنتصف مايو، تتصاعد فيها الحرارة حتى تسحق البشر وتؤذي البهائم والنبات بالجفاف، جو لا يطيق العيش فيه إلا "ارگيبات" و"أولاد ادليم"..
في نهاية الشتاء، تقترب التجمعات عادة من نقاط الماء.. في ربيع 1933م  يستعد الجيش هو الآخر للحركة.. يستعد للهجوم الأخير.. تصدر الأوامر لفرقة البدو بكدية الجل بسد المنفذ الشمالي-الغربي للكدية على بعد كلومترات من بئر "افديرك" التي يحتكرها الجيش لبناء قلعة "كَورو"، أما "اعكَل أم اظفيرات" يحتكرها "المهاريست"..
شعرتُ بالفخر اتجاه بلادي التي توغلت حتى هذا العدم المكاني لتبعث فيه الحياة.
في ظل هذا الوضع سيفتح "لارگيبات" الذين وقّعوا معاهدة سلام مجال الانتجاع في المراعي الموريتانية، لكنهم ينتظرون حتى اللحظة الأخيرة من الصبر على الجفاف للنزول والاقتراب من "آدرار" حيث نحن.
التقدم نحو آدرار سيفرض عليهم الاحتكاك بنا، وسيشعرهم حتما بعدم الارتياح حين يضطرون يوما إلى توفير شاي الضيافة كبادرة ولاء للمعاهد النصراني، الذي يقود كتيبة من المحاربين البظان مَن يصفونهم بالخونة، وهم في نظرهم أرخص من العبيد الرماة الذين يسحبهم الجيش وراءه في كل مكان... سيصبح "ارگيبات" كذلك ملزمين بنحر حوار للفرنسين حرق الله آباءهم وآباء آبائهم في الجحيم (يحرگ بياتهم وبيات ذوك  في السَّعير)،... إضافة للإهانة التي عليهم إخفاءها حين يُجبرون من القائد الاستعماري على تسجيل أفراد عائلاتهم في السّجل الفرنسي.. أما الكارثة الكبرى فستكون يوم  يلزمهم بإحصاء إبلهم، و الفاجعة الأشد حين يطالبهم بدفع الضرائب مقابل الرعي.
لم يدفع "ارگيبات" غرامة لأحد، لا لأمير "آدرار" ولا لقائد "واد نون"... وقَّع قائد "ارگيبات" في "سينلوي" اتفاق السلام النهائي، اتفاقا يمسح شوائب الماضي، ويدفع بموجبه الخاضع الجديد للجيش الفرنسي ثمانية مدافع، وثلاثين مطية .. سيلتزم أصدقاء السلام البعيد بالتصرف من الآن كمواطنين صالحين، بالإخبار عن تنقلاتهم، بدفع مقابل حق الرعي، ودفع الضرائب المتعلقة بالتجارة، وحتى خضوعهم للإحصاء، لقد تعهّدوا بالمساهمة في حماية الأراضي الموريتانية، وأن يمنعوا قدر الإمكان غارات بقايا المنشقين من أبناء عمومتهم من وادي الذهب، وأن يسهلوا عمل قوات الشرطة الفرنسية التي سمحوا لها بزيارة مخيماتهم.
هذا هو الاتفاق، أما الواقع فشيء آخر.. ما يفعلونه حقيقة هو بعث طلائع استطلاع لتحديد أماكن وجود "المهاريست" وتحاشيهم. إنها حرب التخابر واللعب على الذقون.
انتدبتُ لمهمة استطلاعية في الشمال مع حفنة من "كَوميات"، كانت وجهة مهمتي الأولى هي تجمعات "اركَيبات".. لم نصطحب الرماة السود وهذا يعني أننا لا نحمل أسلحة أتوماتيكية، عندما رأينا لأول جمعا من "اركيبات" خالطتني هواجس خشية من وجودي مع "كوميات" بمفردي، تقدم نحونا فريق صغير مترجلا، لا تبدو عليه الرغبة في القتال، لكن "البظان" لا يؤتمنون.
في تشخيص القيادة المدنية... أعداؤنا "البظان" مقاتلون من نوع خاص، لا يقاتلون مجتمعين، بل أشتاتا، كل اثنين على ربوة، يطلقون النار من كل الاتجاهات، أما "كَوميات" فلا يصلحون دعما قتاليا فعند الطلقة الأولى يفرون، لا خوفا، لكن ليظفروا بحرية المناورة، يبحثون عن قتال في جبهة معاكسة.
ومهما كان فهم لا ينصاعون إلا لإرادتهم... ترويض البظان يصطدم بالإخفاق التام دوما، قيادتهم صعبة، لا يمكن تقييدهم في وضع هجومي، ولا يمكن استخدامهم في قتال متقارب.
تتركز طريقة "كَوميات" في القتال، على الالتفاف حول العدو ليطعنوه من الخلف، لا يحتاجون التوجيه.. إنهم مقاتلون حقيقيون، غير أن خسارة معركة أم التونسي تعود لهروب "كَوميات" ذعرا من ساحة القتال، ذلك ما أدى للكارثة، بالإضافة إلى محدودية عدد الرماة، فالرماة هم الدرع الحقيقي لفرقة البدو.. فالعدو من البظان في كل مكان وجاهز.
لقد كان موت "ماك ماهون" ناتجا عن تقصير من النقيب في ضبط الحراسة، حيث أهمل وجود طلائع الاستطلاع والأجنحة.. لن ننسى أن وضعه المهزوم قاده إلى محاولة الانتحار حين وجد نفسه وحيدا عاجزا.. وقد حال بينه "كَوميات" الناجون مع تنفيذ رغبته، والدليل البرقية التي بعث بها إلى قائد قوات موريتانيا، يقول فيها: « يؤلمني أن أطلعكم على أني الأوربي الوحيد المتبقي على قيد الحياة»
- يتواصل بإذن الله -
من صفحة eddehma rim

السبت، 19 أكتوبر 2019

أول درس جامعي في الأدب الموريتاني

أول درس جامعي في الأدب الموريتاني
---------------------------------
بقلم: الإداري محمدن ولد سيدي (الملقب بدنَّ)

لم أعد أتذكر السنة، لكن ما يزال محفوراً في ذاكرتي ذلك اليوم الذي جاءني فيه جمال ولد الحسن زوالا وقال: "جئت لحاجتين، أولاهما أن تزودني بنسخة من ديوان العلامة امحمد بن أحمد يوره، والثانية أن ترافقني إلى الجامعة لتحضر معي درس هذا المساء.. فقد استقر رأيي بعد تردد طويل على أن أبدأ تدريس الأدب الموريتاني في كلية الآداب، وارتأيت أن أبدأ بشعر امحمد بن أحمد يوره، وأن أتخذ منك شاهداً على ذلك. يبدأ هذا الدرس الأول في الساعة الثالثة ولم يعد يفصلنا عنه سوى نصف ساعة فقط". ناولته الديوان، واتجهنا صوب المعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلامية، حيث مأوى الكلية الناشئة. وفي الطريق طفق الأستاذ يتصفح الديوان. دخلنا القسم في الوقت المناسب، إذ أن حركة المرور آنذاك لم تكن بالدرجة التي تتعثر معها وتيرة سير الراجلين. كانت الحجرة مكتظة بالطلاب، وقد علمت فيما بعد أن بعضهم متطفل مثلي وافد من فصول دراسية أخرى.استطعت بمساعدة الأستاذ، أن أتبوأ مكانا معينا، وقفت فيه بين المصطفين في آخر الصف، وأذكر منهم المرحوم عبد الله ولد يحظيه، رئيس مصلحة الشؤون الأكاديمية آنذاك. ما إن دخل الأستاذ حتى استتب الصمت داخل القسم، بالسرعة التي بادر بها إلى السبورة، وكتب بخطه الجميل، المزاوج بين التقليد والمعاصرة، قطعة ابن أحمد يورة المشهورة:
عَلَى الرَّبْعِ بالْمَدْرُومِ أيِّهْ وحيِّهِ//// وإنْ كَانَ لا يَدْرِي جَوَابَ الْمُؤَيِّهِ
وَقَفْتُ بِهِ جَذْلاَنَ نَفْسٍ كَأنَّمَا//// وَقَفْتُ عَلَى لَيْلاَهُ فِيهِ ومَيِّهِ
فقُلْت لِخِلٍّ طَالَمَا قَدْ صَحِبْتُهُ//// وأدْنَيْتُهُ مِنْ دُونِ خِلاَّنِ حَيِّهِ
أعِنِّي بِصَوْبِ الدَّمْعِ مِن بَعْدِ صَوْنِهِ//// وَنَشْرِ سَرِيرِ الشَّوْقِ مِنْ بَعْدِ طَيِّهِ
فَمَا أنْتَ خِلُّ الْمَرْءِ فِي حَالِ رُشْدِهِ//// إذَا كُنْتَ لَسْتَ الْخِلَّ فِي حَالِ غَيِّهِ
فتعجبت من حسن اختياره وأشفقت عليه من الموضوع، إذ أن الحيز الزماني المتاح منذ تناوله الكتاب، لم يكن يكفي لانتقاء موضوع الدرس، بله التحضير في ظروف أقل ما توصف به أنها لم تكن مصدر إلهام للأدباء ولا النقاد. قلت في نفسي: وفقه الله في هذه، فأين المدخل؟
بدأ الأستاذ جمال درسه بالسؤال: ما معنى "أيِّهْ" في قول الشاعر:[عَلَى الرَّبْعِ بالْمَدْرُومِ أيِّهْ وحيِّهِ]؟ عجز الطلاب جميعهم عن الجواب أو أحجموا عنه، ولعمري لو أن طلاب اليوم، سئلوا ذات السؤال لكانوا أعجز وأحجم. فقال الأستاذ: أيه معناها قل له: أيها! ثم استمر في إلقاء درسه، وقال: بدأ الشاعر يخاطب نفسه المنطوية في ظل ضمير مستتر تقديره أنت.. أيه وحيه "أنت".. ثم ما لبث المخاطب أن تحول من حال الضمير المستتر إلى حال الضمير الظاهر المتصل، ضمير الفاعل وهو التاء في قول الشاعر "وقفتُ".. وخلال البيت الثالث تطور المخاطب لدى الشاعر من ضمير متصل إلى خل منفصل، لكنه متصل وملازم بالدنو والمصاحبة الدائمة: [فقُلْت لِخِلٍّ طَالَمَا قَدْ صَحِبْتُهُ//// وأدْنَيْتُهُ مِنْ دُونِ خِلاَّنِ حَيِّهِ]. ولما تدرج المخاطب إلى هذه الحال الجديدة، المتصف معها بجميع هذه الأوصاف.. اتخذ منه الشاعرُ ملاذاً وملجأً لمد يد العون والمساعدة التي توسمها فيه، فخاطبه قائلا: [أعِنِّي بِصَوْبِ الدَّمْعِ مِن بَعْدِ صَوْنِهِ//// وَنَشْرِ سَرِيرِ الشَّوْقِ مِنْ بَعْدِ طَيِّهِ]. وبعد أن استطاع الشاعر أن يتدرج بالمخاطب إلى هذا المستوى من التميز والانفصال، وطلب منه إسداء خدمة معينة، نبهه إلى مبدأ قويم من المبادئ الأساسية التي تقوم عليها المصاحبة الصادقة الحقة: [فَمَا أنْتَ خِلُّ الْمَرْءِ فِي حَالِ رُشْدِهِ//// إذَا كُنْتَ لَسْتَ الْخِلَّ فِي حَالِ غَيِّهِ].
هذا بعض ما يحضرني، من ذلك الدرس الشيق، الذي استهل به الأستاذ جمال، تدريس الأدب الموريتاني في كلية الآداب بجامعة نواكشوط. ولكم أن تتصوروا معي بحق، كيف أن هذه الصور كما عرضتها، لابد أنها تدرجت هي الأخرى كما وقع لذات الشاعر المُخَاطَبَة، لكن بصورة عكسية هذه المرة، فانتقلت من صور نيرة ناصعة مؤداة بتعبير واضح رصين، كما أطلقها صاحبها أول مرة، لتصبح اليوم بفعل تقادم العهد وضعف الجهد والتفكير المتردي وعجز المؤدى، لتصبح باهتة كالضمير المستتر في صدر البيت الأول، من قطعة ولد أحمد يوره. أذكر يومذاك أن أحد الطلاب تدخل في نهاية الدرس فقال: يا أستاذ إما أن يكون الشاعر متقدماً على عصره، أو أن تكون أنت قد حمَّلت النص أكثر مما يتحمل! فأجابه جمال بداهة: أما أن يكون الشاعر متقدماً على عصره فهذا ليس بمستحيل، وأما أن أكون أنا قد حمَّلت النص أكثر مما يتحمل، فاعلم بأن النص أي نص لا يحمل من المعنى إلا ما حمَّله إياه قارئه.. وقد يأتي قارئ آخر فيحمل هذا النص أكثر مما حملته أنا بكثير. وتدخل طالب آخر فقال: يا أستاذ أنت تلفظ "المدروم" براء مرققة.. هل سمعت الشاعر ينطقه كذلك؟ فأجاب جمال: أنا لم أسمع الشاعر ينطق المدروم براء مرققة، وأنت كذلك لم تسمعه ينطقه براء مفخمة. وأثناء الدرس لفت انتباهي طالب يجلس في الصف الأول، لم يتم مقطع من الدرس إلا وأبدى عليه ملاحظة. وكان الأستاذ جمال حريصا على أن يجيبه على كل ملاحظة، وبصورة سريعة لا ينقطع معها حبل تفكيره، ولا يتهلهل سبك تعبيره. مرة قال الأستاذ في شرح البيت الأول من قطعة ابن أحمد يورة: إن معنى حيِّه في قول الشاعر:[على الربع بالمدروم أيه وحيه] قد تكون بمعنى ٱطلُبْ له الحياة التي تكون بالنسبة للربع بفعل المطر. قال الطالب: "ليس ذلك بالضرورة يا أستاذ"! فرد الأستاذ جمال بداهة: "طبعاً، ولذلك قال طرفة بن العبد: [غَيْرَ مُفْسِدِهَا] ثم واصل الدرس، وهكذا دائماً تجيء ملاحظات الطالب وتأتي وفقها إجابات الأستاذ. وللتوضيح فالأستاذ وتلميذه يشيران هنا إلى البيت المشهور لطرفة بن العبد:[فَسَقَى بِلاَدَكَ غَيْرَ مُفْسِدِهَا صَوْبُ الْغَمَامِ ودِيمَةٌ تَهْمِي].
هذا، ولما اكتمل الدرس أحاط به الطلاب والأساتذة يستبشرون ويستفسرون عن البرنامج الجديد، وما هي ملامحه، وما الجدولة المعدة له، وعن المواضيع اللاحقة منه. وبعد جهد جهيد خرجنا من حرم الجامعة عائدين، فمكث الأستاذ برهة وكأنه شارد الذهن. قلت له: ما بالك؟ قال: كادت ملاحظات أحد الطلاب تربك تسلسل تفكيري في صلب موضوع الدرس.. إنه الطالب النابه عبد الله السالم ولد الْمُعَلَّى، وهو ليس من طلابنا في السنة الأولى!
وأختم فأقول: يا ليت معالي وزير الثقافة السابق، والصديق الوفي، والأديب الأريب، عبدالله السالم ولد المعلى يثري ساحتنا الثقافية والأدبية، فيتقاسم معنا ما علق في ذاكرته من ذلك الدرس المشهود، المؤذن بانطلاق عهد جديد في تاريخ الأدب الموريتاني.. إن في ذلك خدمة للوطن ووفاء بالعهد.

من صفحة: Mohed Elmona

الأحد، 13 أكتوبر 2019

الطريق إلى كروزني 7

بسم الله الرحمن الرحيم

الطريق إلى كروزني 7

......قطعنا بضعة أمتار من المعهد القرآني  إلى قلب مدينة شالي النابض : المسجد الأكبر في أوروبا ، حيث تجمَّع المئات في الرحاب والطرق المؤدية إلى المسجد ، وأخذ كبار المسؤولين الروس مقاعدهم على المنصة المضروبة عند مدخل المسجد ، إلى جانب ضيوف الجمهورية الشيشانية.
نقلتنا الأقدام من حرم إلى حرم فكان لها الحمد بعد الله ، لا لعيس الفقيه عمارة اليمني وركابه  التي يقول عنها :
الحمد للعيس بعد العزم والهمم    حمدا يقوم بما أولت من النعم
لا أجحد الحق ، عندي للركاب يد   تمنت اللجم منها رتبة الخطم
قربن بعد مزار العز من نظري   حتى رأيت إمام العصر من أمم
ورحت من كعبة البطحاء والحرم    وفدا إلى كعبة المعروف والكرم
فهل درى البيت أني بعد فرقته    ما سرت من حرم إلا إلى حرم
بعد أن أخذ كل ضيف مُستقره وخفتت أصوات القادمين والمستقبلين قدَّم الشيخ آدم شهيدوف الفتى القارئ الشيشاني عبد الرحمن سيد حسين ماغومادوف ليفتتح المقام بآيات من سورة الإسراء ، ولا تخفى المناسبة في افتتاح المسجد بأوائل سورة الإسراء وهي التي جمعت في أول آية منها بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى الذي سُمي القصى لبعد ما بينه وبين المسجد الحرام وكان أبعد مسجد عن أهل مكة في الأرض يعظم بالزيارة. 
ثم تقدم مبعوث الرئيس الروسي في منطقة القوقاز الشمالي  السيد ألكسندر ماتو فيفنيكوف إلى منبر الخطابة فألقى كلمة تهنئة بالمناسبة قرأ ضمنها رسالة تهنئة من الرئيس فلاديمير بوتين إلى الشعب والحكومة في الشيشان بهذه المناسبة.
ثم تلاه السيد سيرغي تشيبوتاريف وزير الحكومة الروسية لشؤون القوقاز الشمالي الذي نوَّه بالبعد الرمزي لبناء هذا المسجد ؛ حيث يتسع برحابه لمائة ألف مصل ، وهو ضعف سكان مدينة شالي.
وبعد ترجمة السيد آدم لكلمة الوزير دعا رئيسَ الجمهورية السيد رمضان قاديروف لإلقاء كلمته ، فبدأ الخطاب ، وكان السيد آدم يقطعه بالترجمة الفورية ، ثم كانت المفاجأة الكبرى التي حمل الرئيس في خطابه ، وهي تسمية المسجد الجديد باسم النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، بعدما كان يتوقع أن يطلق عليه اسم الرئيس ، وكانت نبرة السيد المستشار على مستوى وقع المفاجأة حيث قال في الترجمة بأعلى صوته "...باسم نبينا وحبيبنا وإمامنا وشفيعنا محمد صلى الله عليه وسلم" ثم نادى بكلمة تكبير ، فكبر الحاضرون وكبر معهم الرئيس ، فعل ذلك ثلاث مرات ، عاد الرئيس وأكمل خطابه.
تكرر نداء السيد آدم بكلمة "تكبير" وتكبير الحاضرين استجابة له في عدة مواقف من مشاهد هذا اليوم ، فكأنني كنت على علم بهذا النداء حين قلت وأنا في شنقيط في قصيدتي (تحايا إلى الشيشان) :
بعثتِ رسالات المحبة والهدى   نداءً من الشيشان : الله أكبر
أظلتْ أوروبا للسلام منارة    وبث بها روحَ التسامح منبرُ
والتكبير عند الفرح والنصر وظهور عزة الإسلام  سنة مأثورة ، ولذا شُرع التكبير في خطبتي العيدين وفي حال المسير إلى المصلى لصلاة العيد ، وورد في حديث إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم تلقاه عند الباب في دار الأرقم وأخذ بمجمع ردائه ثم جبذه جبذة شديدة وقال ما جاء بك يا ابن الخطاب فوالله ما أرى أن تنتهي حتى ينزل الله بك قارعة ، فقال عمر يا رسول الله جئت لأومن بالله ورسوله وبما جاء من عنده  فكبر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} تكبيرة عرف أهل البيت من أصحاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أن عمر قد أسلم.
وفي حديث حفر الخندق أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب صخرة عظيمة إعتاصت عليهم في الخندق بمعول أخذه ؛ فكسر ثلثها بضربه ، وقال الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام والله إني لأبصر قصورها الحمر الساعه ، ثم ضرب الثانيه فكسر ثُلثها الثاني وقال الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض ، ثم ضرب الثالثة فكسر بقية الحجر وقال الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن والله إني لأرى أبواب صنعاء من مكاني هذا.
وفي خبر مسير خالد بن الوليد رضي الله عنه لإمداد جيش المسلمين بالشام ورد أنهم لما نفد ما معهم من الماء والإبل التي كانت مُعَدَّة للطعام والشراب  قال لهم دليلهم رافع بن عميرة الطائي اطلبوا شجرة بمثل قعدة الرجل، فعندها الماء. ورافع يومئذ رمِد، فطلبوها فلم يصيبوها فرجعوا إلى رافع، فقالوا: إنا لم نصبها، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون. هلكتم وهلكت لا أبا لكم. اطلبوها فطلبوها فأصابوها قد قطعت الشجرة وقد بقي منها بقية، فكبَّر وكبَّر الناس. فقال: احتفروا فاحتفروا عيناً عذبة مروية، فتزودوا وسقوا وحملوا.
وقال القاضي الوجيه ابن الذروي ، في انتصار لؤلؤ الحاجب العادلي مقدم الغزاة بالسواحل في وقعته المشهورة حين توجه العدو الذين قصدوا الحجاز في البحر المالح بعدة مراكب وشوكة ومنعة،وسولت لهم أنفسهم أمراً ، فأدركهم وأخذهم، ودخل بأسراهم القاهرة، وكان يوماً مشهوداً:
مر يوم من الزمان عجيب   كاد يبدي فيه السرور الجماد
إذ أتى الجاجب الأجل بأسرى  قرنتهم في طيها الأصفاد
بجمال كأنهن حمال     وعلوج كأنهم أطواد
قلت بعد التكبير لما تبدى:   هكذا هكذا يكون الجهاد
حبذا لؤلؤ يصيد الأعادي     وسواه من اللآلي يصاد
و"الله أكبر" هي أول كلمة قالها النبي صلى الله عليه وسلم وهو مسترضع في بني سعد.
ولا شك أن ارتجاج الساحات بالتكبير في الحفلات الرسمية بهذا البلد بدلا من التصفيق المعمول به في مثل تلك الحال في بلدان أخرى يدل على تجذر ثقافة إسلامية أصيلة في المجتمع الشيشاني.
بعد كلمة الرئيس تقدم الشيخ خوج أحمد قديروف لإلقاء كلمة باسم علماء القوقاز ، و في هذه الكلمة قال الشيح أحمد : خلال زيارتي للمملكة المغربية رأيت الناس يجمعون المال لبناء مسجد هناك ، فقلت لهم : إن ابن أخي -يعني الرئيس- بنى  مسجدا كبيرا على نفقته الخاصة.
أومأ إليَّ أحد الحاضرين بأن السيد أحمد توفيق لن يترك هذه الفقرة من خطاب كبير علماء القوقاز تمر دون تعليق.
تتابعت كلمات رؤساء الوفود ، وبعد كلمة وزير الشؤون الإسلامية والدعوة  والإرشاد السعودي عبد اللطيف آل الشيخ أعلن عن هدية مقدمة من المملكة للشيشان بهذه المناسبة تتمثل في ثمانين مصحفا ، وقطعة من كسوة الكعبة ، وقد قام أعضاء الوفد السعودي بحمل الهدية وتقديمها للسيد الرئيس.
ثم دعا الشيخ آدم باسم الدكتور أحمد توفيق لإلقاء كلمة بالمناسبة ، فتقدم الوزير وهنأ الحكومة والشعب على هذا الجهد الكبير الذي تطالعنا اليوم نتائجه الكبرى ، وتحدث في هذا السياق عن بعض منجزات قطاع الأوقاف بالمملكة المغربية من بناء المساجد والمدارس القرآنية.
وختم بالتعليق على عبارة الشيخ خوج أحمد ، فقال : "سمعت هنا قبل قليل حديثا عن جمع التبرعات في المملكة المغربية لبناء مسجد ، وهذا يدل على تنافس المغاربة في الخير (وفي ذلك فليتنافس المتنافسون) ، وقد سرني أن يصل هذا الخبر إلى أقاصي المشرق الإسلامي"
وهنا عُلقت الجلسة لأداء صلاة الجمعة ، على أن يتم الجزء الباقي وهو تكريم الفائزين وأعضاء لجنة التحكيم في المسابقة الشعرية بعد صلاة الجمعة.
غادر أعضاء الوفد الروسي ساحة الحفل وفُتِّحت أبواب المسجد فدخل الحاضرون أفواجا لأداء صلاة الجمعة ، امتلأ  المسجد بعلوه وسُفله وهو يسع عشرين ألف مصل ، وبساحاته ورحابه يتسع لمائة ألف.
بعد الأذان صعد المنبر الشيخ الدكتور محمد عبد الكريم العيسى ، الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي وخطب الناس ، وبعد أدائه الخطبتين أقيمت الصلاة على الداعية الإسلامي الشيخ العلامة السيد الحبيب عمر بن سالم بن حفيظ بن الشيخ أبو بكر بن سالم با علوي الحسيني الحضرمي. مدير دار المصطفى للدراسات الإسلامية في تريم.
   "ابن أبو بكر" هكذا تنطق في النسب ، ولعلها من باب الحكاية ، ومن هذا ما وُجد بخط بعض الصحابة (فلان بن أبو فلان)
المذهب الفقهي المتبع في الشيشان هو المذهب الشافعي ؛ فلا إشكال في إمامة غير المقيم في الجمعة ، ولا في اختلاف الخطيب والمصلي ؛ أما على مذهبنا المالكي فمن شرط الإمام في الجمعة أن يكون مقيما ، ومن شرط صحة الجمعة كون إمام الصلاة هو الخاطب، إلا لعذر.
ومعلوم أن الاقتداء بالمخالف في المذهب الفقهي جائز ؛ لكن على تفصيل ، فما كان من شروط الإمامة المعتبر فيه مذهب المأموم على الطريقة الراجحة في المذهب ، مع أن بعض العلماء قيَّد جواز الاقتداء بالمخالف مذهبا بأن لا تراه يفعل ما يخالف مذهبك.
لذلك حصل لي حرج كبير لما لاحظت أن الخطيب غير مقيم ، وازداد الحرج لما أحرم غير الخطيب لصلاة الجمعة ، مع أن شرط الاقتداء بالمخالف غير حاصل هنا ، مع ما في مخالفة الإمام والسواد الأعظم مما هو معلوم في النصوص الشرعية.
ثم إنني قررتُ التفصِّيَ من هذا الحرج بأن نويت صلاة الظهر قصرا وصليت صلاة الفذ مع محاذاة الإمام في الأركان حتى قُضيت الصلاة.
بعد سلام الإمام بلحظات بدأ الإعداد لإكمال وقائع حفل افتتاح المسجد....

د. محمد ابن بتار ابن الطلبة 

الطريق إلى كروزني 6

بسم الله الرحمن الرحيم

الطريق إلى كروزني 6

..... الرقعة التي اختُط عليها مبنى المعهد القرآني الجديد كانت ملكا للرجل الصالح الشيخ دوردي الشالي رحمه الله، وقد استولى عليها الحاكم الشيوعي أيام شوكته، وكان الشيخ المذكور يقول إنها ستعود يوما لحكم الإسلام؛ وهو ما تحقق في العصر الحديث للدولة، فقرر السيد الرئيس جعلها صدقة جارية لهذا الشيخ؛ وأمر ببناء ساحتها معهدا لتدارس كتاب الله وحفظه.

تقدم أمامي أحد أعضاء لجنة التنظيم صوبَ الكراسي المصفوفة للضيوف، وقدم لي كرسيا خلف الصف المخصص لرؤساء الوفود.إلى جانب ممثلي مجلس جائزة دبي لحفظ القرآن الكريم.

على المقعد الذي بين يديَّ يجلس الشيخ با بكر أحمد زاده كبير علماء الهند، وقد عرَّفني به ابنه الجالس عن يميني، وعن يساره الأستاذ الدكتور أحمد توفيق وزير الأوقاف بالمملكة المغربية، الذي عرفته بناء على رؤية سابقة عن كثب في مجلس للدروس الحسنية حضرته بالقصر الملكي في الدار البيضاء سنة 1435هـ.

أعجبني الأسلوب العفوي الطيب للدكتور أحمد توفيق في مجمل وقائع هذا اليوم، وعلى وجه الخصوص في تعامله مع من حوله من المرافقين وأهل العلم؛ فقد توجه إلى الشيخ با بكر عند جلوسه بما هو أهله من التوقير، وحياه تحية الصغير للكبير، ولم يزد في التعريف بنفسه على القول: أنا أحمد توفيق من المغرب، أعجبني تناسيه لمنصبه ومكانته العالية بحضرة العلماء، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: مَن تَوَاضَع للّه رَفعه الله.

ومن كلام الحكماء " تواضعك في شرفك أحسن من شرفك" و" من لم يتضع عند نفسه لم يرتفع عند غيره".
وسينتابني الشعور نفسه بعد ذلك في ثنايا وقائع هذا الحفل من موقفين حصلا للسيد الرئيس رمضان قاديروف؛ 
 أحدهما: قيامه لاستقبال وزير التسامح الإماراتي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان الذي دخل القاعة متأخرا بعد بداية الحفل، وهذا أمر غير مألوف حسب الأعراف الرسمية التي نسمع عنها.

ومع ما يشعر به هذا القيام التلقائي من تواضع ونبل فإنه يدل على مدى تقدير السيد الرئيس للصلة الأخوية الوثيقة التي تربط جمهورية الشيشان بالعالم العربي والإسلامي.

الثاني: قيامه لسماحة المفتي الشيخ صلاح وإيثاره له بمقعده عند عودته من منصة الخطابة بعد إلقاء كلمة الافتتاح باسم السيد الرئيس.

ومما رُفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم: أفضَل الرجال مَن تَوَاضع عن رِفْعة، وزَهِد عن قُدْرة، وأنصف عن قوة.

بعد لحظات من وصول السيد الرئيس إلى مقر الحفل أعلن مستشاره السيد آدم شهيدوف عن بداية وقائع حفل افتتاح المعهد القرآني السابع في جمهورية الشيشان، وكانت البداية بتلاوة من أحد فتيان البلد لآيات من سورة (الرحمن) كانت في غاية الحسن والإتقان.

وإذا كان للاستفتاح بهذ السورة معنى خاص في هذا السياق لتناولها لتعليم القرآن في بدايتها فإن له مناسبة لا تقل شأنا عن ذلك وهو أن من بديع أسلوبها افتتاحها الباهر باسم {الرحمن} وهي السورة الوحيدة المفتتحة باسم من أسماء الله لم يتقدمه غيره.

لاحظت أن القارئ وقف عند كلمة {الرحمن}، ثم استأنف {علم القرآن}، وهو ما يقتضي أنهما آيتان، لا آية واحدة كما هو المعروف عند الجمهور، لكن "حكى ابن فورك عن قوم أنهم يجعلون {الرحمن} آية تامة، كأن التقدير: {الرحمن} ربنا، قاله الرماني أو أن التقدير: الله { الرحمن } . وقال الجمهور إنما الآية: { الرحمن علم القرآن } فهو جزء آية"
 "وما حكى ابن فورك هو الواقع في المصاحف التي برواية حفص عن عاصم - وهي الرواية المعتمدة في الشيشان- فقد وضعت فيها علامة آية عقب كلمة {الرحمن}، إذ عدها قراء الكوفة آية؛ فلذلك عد أهل الكوفة آي هذه السورة ثمانا وسبعين".

وهي ست وسبعون بالعد البصري، وسبع وسبعون بالعد الحجازي.

ولذا فإن ما نرى من وضع علامة الآية عقب كلمة الرحمن في بعض المصاحف المطبوعة برواية نافع يحتاج لتحرير ومراجعة مع ما في كتب التفسير.

بعد ختم القارئ لتلاوة ما تيسر من سورة الرحمن، استأنف الشيخ آدم الكلام؛ فأجمل في عرضه الوافي أمام الحاضرين أهم محاور الحفل ورفَع النقاب بالأرقام عن أبرز محطات المسار التعليمي للقرآن الكريم في الجمهورية؛ وأفاد من خلال ذلك أن سبعة من أبناء الرئيس الحالي وأربعة عشر من أحفاد والده الشهيد أحمد حجي قد تخرجوا حفاظا لكتاب الله بهذه المعاهد القرآنية.

 وبعد الخطب الرسمية بدأت وقائع تكريم الفائزين في المسابقة القرآنية وأعضاء لجنة التحكيم؛ فدُعوا إلى المنصة لاستلام شهادات تقدير من طرف مفتي الجمهورية الشيخ صلاح مجييف.

تقدم أعضاء لجنة التحكيم الخمسة؛ وهم: رئيسها: الشيخ أيمن رشدي سويد، من السعودية، وأعضاؤها: الشيخ ماهر المنجد من سوريا، والشيخ صادق محمد عبد الله علي من اليمن، والشيخ أحمد بن عبد القيوم بن عبد الرب النبي من باكستان، والشيخ سيد حسين علي عدنان سيد إبراهيم من الشيشان.
أما المشاركون في المسابقة القرآنية فهم خمسة وعشرون تم اعتمادهم من طرف وزارات الأوقاف ببلدانهم، واستدعاؤهم بعد ذلك من طرف اللجنة المنظمة للمسابقة، وبعد اختبارهم من طرف لجنة التحكيم تم اختيار ثلاثة منهم للفوز بالجوائز المرصودة للحاصلين على المراتب الثلاثة الأولى.

ثم تقدم حملة القرآن الذين تلقوه من غير المعاهد القرآنية ليسلموا للطلبة المبتدئين في هذا المعهد الجديد أمانة حفظ القرآن والعناية بتدارسه وحمله.

وقد وقف الطلبة صفوفا في جوانب الحفل على هيئة واحدة تحت شعار واحد وعلى قلب رجل واحد.

شرف تتابع كابرا عن كابر ** كالرمح أنبوبا على أنبوب
وأرى النجابة لا يكون تمامها ** لنجيب قوم، ليس بابن نجيب

في هذه الأثناء اخترقت أجواء المدينة أصوات محركات طائرة مروحية اقتربت إلى حد ما من مبنى المعهد؛ ففزع من فزع، وتذكر قول عمرو بن أمامة: (إن الجبان حتفه من فوقه) وثبت من أيده الله بالفهم وبملكة وضع الأمور في سياقها أيا كانت طبيعتها.

وَقور يشد الخطب حبوة حلمه ** إذا روعة حلت حبا الحلماء

بعد استكمال مسطرة الحفل دعا السيد المستشار رؤساء الوفود للقيام بجولة في مباني المعهد، وتقدم باقي الضيوف لتهنئة الفائزين، وأخذ أعضاء لجنة التنظيم في تهدئة الباقين وطمأنتهم على أن سعيهم مشكور وأن أقدامهم لن تضيع.
عاد أكابر الوفود من جولتهم في المعهد والتقى الجميع لدى الباب، فتوجهوا إلى المسجد الكبير الموازي للمعهد سعيا على الأقدام ليشهدوا وقائع الجزء الثاني من هذه المشاهد الاحتفالية الكبرى.

د. محمد ابن بتار ابن الطلبة 

الخميس، 10 أكتوبر 2019

المخلص رقم 7..الدهماء ريم



الملخص ..7
............
كدتُ أصاب بالجنون، لقد وضعوا تحت إمرتي أفراد المجموعة التي تعقبت وقتلت الأمير سيدي احمد ولد احمد العيده، كيف آخضع لسلطتي أبطالا مثلهم تم توشيحهم، السلطة لا تُختلق، السلطة تُتَعلَّم تماما كما يُتعلّم الانصياع... في آكاديمية "السين سير" أول ما نتعلم هو الانصياع.. تكوين قاس على الطاعة العمياء التي بدونها لا وجود لسلطة ولا جيش، ومنذ آيام نابليون كان "الانضباط" يصنع القوة الأساس للجيوش.. من المهم أن يحصل أيّ رئيس من مرؤوسيه على طاعة كاملة وخضوع في كل لحظة"..
أحكمتُ قبضتي على كأس الشاي الصغيرة.. أنا الذي كنت أهمس لنفسي: "حين أكبر، سأكون جنرالا" كان علي أن أتبين أنه  بين "جان"، الطفل الذي يضرب رأسه على الحائط، والمراهق المتمرد.. لم يكن هناك استعداد للانصياع٬ لكن ماذا يتوقع أن أفعل حين أكون ابن ضابط وحفيد ضابط، وحفيد حفيد ضابط. الموت أهون من اظهار الضعف، لم يكن لنا من خيار آخر في هذه الحياة.
في "السين سير" قالوا لي وكرروا مرارا:   كن قاسيا!
في تلك الفترة لم أسائل نفسي حول مسألة السلطة.
فَصيل من الرماة السنغاليين لا ينبغي أن يخيفني لهذا الحد، فلدي أزيد من تجربة سنة في الميدان، غير أن هؤلاء نوع خاص، ليسوا سنغاليين جدا، أغلبهم  من السواحليين، من البيل أو التكلور، قرويون من ضفة النهر، مزارعون ومنمون و"مرابو" أو صناع تقليديون، بلادهم تشكل حلقة وصل بين أرض البظان وأرض السود. يقال إن البيل أبناء عمومة التكلور، وفي الواقع يتقاطعون في الملامح الدقيقة، النمط الإثيوبي، وفي قاماتهم الفارعة، وهم أقل غربة من بقية الرماة بحكم المناخ المتقارب، وعادة الاحتكاك بجيرانهم البظان، ومنهم من ربطتهم علاقة مصاهرة من خلال النساء بقبائل من الزوايا من الجنوب الموريتاني، ويفهمون العربية.
هؤلاء يأتون إلى مهنة السلاح مكرهين، وأحيانا  قسرا..   الموجودون منهم في الخدمة إما جلبوا بالإكراه أو جلبتهم رياح العلاوات، وبعد أربعة وعشرين شهرا من الخدمة الإجبارية ينطلقون دون تأخير إلى قراهم..
ضم الجيش الفرنسي عددا قليلا من أصحاب الرتب من البيل والتكلور، فالموالون الحقيقيون للجيش كانوا من المالينكي: بامبارا، سراغولي ، سونينكي.. محاربون من مالي القديمة، مزارعون جثثهم ضخمة، وبنيتهم أقوى من بنية السواحليين، مع أنهم أقل تحملا للعطش، هؤلاء تجاوزت سمعتهم الآفاق كبناة لإمبراطوريات كبيرة ومحاربين أشاوس، والبامبارا بالذات يحبون القتال.
بيل، تكلور، بامبارا ، سونينكي،  موشي ، كثير من الاثنيات وكثير من اللهجات، ولحل مشكل التواصل أدخل الجيش تدريس اللغة الفرنسية في منهج التكوين العسكري.
غالبا ما نمارس التدريب العسكري صباحا، ونخصص المساد لدروس اللغة، حيث أتلقى بدوري دروسا في العربية من عنصر من "كوميات" نصحني به الضابط "ديفال".. معرفة الحسانية كانت آجبارية على كل الضباط، في حين فَرَضت لغة "البامبارا" نفسها في الاستخدام العام من طرف رماة غرب افريقيا، لأن أغلب أصحاب الرتب كانوا من هذه العرقية، مما اضطر البيل والتكلور بدورهم إلى التعاطي بها في المحادثات البينية.
لا يوجد ضابط أسود في الجيش الفرنسي، الإمبراطورية ليست بخيلة بالميداليات، لكن لا تريد دفع ثمن الدم الأسود بنفس القيمة التي تدفعها كثمن مقابلٍ للدم الأبيض، وعليه فإن ضابط صف أسود شيء مهم.
على نحو آلي أضع سلاحي، وأبسط يدي، أفكر في الجن الأزرق "لسين سير"، هنا جاء دوري لقيادة جن أسود.. جن من الواضح أنه لن ينفعني معه ما أوصتني به الحياة في "السين سير"، حيث لا يمكنني السيطرة عليهم لا برتبتي، ولا بخبرتي، فحاولت أن أهيمن عليهم بالعقل.
من صفحة Eddehma rim

هارون ولد إديقبي يكتب عن الددو رحمه الله


الدَّدَوْ...ترك أثرًا وذِكرًا..
كيف لي أن آَسَى على قارئ مدمن لقراءة القرآن.....
كيف لي أن أحزن على رجل خلَّف الشيخ محمد الحسن حافظ المغرب....
كيف لي أن أحزن على رجل مشتغل بذكر الله عن نزوات الدنيا....
لقد أدركت الدَّدَوْ منذ عشرين سنة أيام الطلب على العلامة لمرابط محمد سالم ولد عدود فلم أره الا و يقرأ كتاب الله او يعلمه للصغار له او يشتغل بما ينفع الناس ويمكث في الارض...من لم يتمتع بهيْنمات الددو وتأوهاته بالقران الكريم فقد فاته الكثير...
لقد كان فاضلا قليل الكلام الا بالذكر والتلاوة لا تكدر عليه جنونيات الطَّلبة...و ما أفظعها...
عشت معه في منزله الفسيح واستمتعت بتلاوته وبالنظر الى وجهه المتنور بنور الله... رأيته يصلي ويسجد ..في ظلمات الليل بأم القرى...
لقد صدق العلامة نور الزمان محمد الحسن حين امسك بيدي الليلة قبل الصلاة على شيخه ووالده بحضرة الشيخ الفخامة قائلا "هاذُو إمًّلِّي أهل أم القرى"...
نعم أنا ابن ام القرى الذي رأى والدك يتلو القرآن ويعلمه بصبر للناس و لابنتك المكرمة ورأى والدتك تقرأ أذكار النواوي بعد الفجر على كثيب شمال مسجد الحماعة وسمع خالك علامة المغرب لمرابط إنَّاهْ يقرأ سورة النجم فجرا يتمايل مع إمالاتها يسابق ضوء الصبح في تمهُّل ...كم تمنيت الا يأتي ضوء الصبح كي لا ينتهي من تلاوة سورة السجدة في فجر جمْعاتٍ نهاية القرن العشرين...ورأى خالك حَيْ ينتقي من أفنان رياض الحسن ولد زين عِذاب الصَّيارفة. ورأى ابن خاليك عدُّود ذاك العالم الرياضي الذي ترك التدريس وعكف على تدريس العلم ليثبت نظربة القابلية الخالدة .. و الشيخ الخالَ عبد الرحمن الدَّاخل يتجول في ظلال الكافية والتسهيل معيدا متمكنا لما املاه خاله لمرابط من مكنونات العلم... و أخاك شَلْتُوت المتواري خلف ستار من الادب والندى و الشجاعة والصلاح.
وأنا الذي اتيت لام القرى صدفة...حسنة من حسنات العلامة إبّاه ولد محمد عالي ولد نعمه المجلسي أدام الله ظله يوم عصفت بي الاشواق وجد بي الحنين الى تراث الاباء اليعاقبة الى ربوع المجلسيين قرية لِفًريوة الجميلة احاول دراسة الكافية الشافية لابن مالك ...حين انهيت سفرها الاول لم اجد شرح السفر الثاني فنصحت بالذهاب الى أعْزيب اهل عدود ببادية إديني هناك سأجد هذه المحيطات العلمية في حالة فيضان أروى صحراء إديني الكوثر حاليا...وبعد انتهاء هذا المد الفيضاني سنعود الى مجمع البحور بحر من العلم بحر من الكرم بحرم من السر الاعظم بحر من المحبة بحر من الزهد بحر من النقاء الشمشوي الممزوج بأريج آل البيت الطاهرين...بأم القرى ...مكة البلدان..
هناك لما وصلت وقفت على نسخة من الكافية والكافية اربع مجلدات ضخام كتبت بخط المرحوم المنعم الدًّدَوْ ولد مَمًّاه بخط جميل واضح أخاذ وساحر كتبها لابنه علامة العصر محمد الحسن ولد الددو أيام دراسته لها...وقليل من درسها في هذه الربوع البرزخية... وعلى تلك السخة قرأت على شيخنا العلامة محمد سالم وقد قرأها من قبلُ...الى ان وصلتني مطبوعة من مكة ...وكان وصولها كرامة لا زلت مذهولا بها...
لقد كان المباركيون الهاشميون أنموذج التبحر في العلم و الكرم والمجد والاباء ...وكانت ذكرياتي في دار كتب اهل الددو العامرة بالكتب والمخطوطات كثيرة محفورة في ثنايا زمن جميل قضيته في أم القرى بين جمع من الطلبة والمحبين وما أكثرهم ....وما ذا أقول وقد تناولت ذهني يد الحدثان...
رحم الله الددو رحم الله الددو وجزاه خيرا عن هذه الامة..فقد انقذ العلم بقرة عينه وعلامة دهره شمس المغرب الاقصى وقمر العالم الاسلامي محمد الحسن...حفظه الله...
ولأنه أحب القرآن وداوم على تلاوته فقد لقي الله اليوم يتلوه طريا عذبا ساعة قبل وفاته...
هكذا يموت العلماء....بشموخ...بنفوس مطمئنة ترجع راضية مرضية الى ربها تشيعها الحشود باخلاص...
عزائي ...واحزاني... وهل يدوم الا وجه الله... يا ددو ألْحِق بركب الخالدين...


من صفحة هارون ولد إديقبي 

الأربعاء، 9 أكتوبر 2019

الملخص رقم 6.....الدهماء ريم




الملخص.. 6 ................ منحتُ مطية من الإبل "أززال" يدعى "آكَويرير"، و"شداد" أملد يدعى "عليون"، يشبه الفتاة بملامح وجهه وأطرافه الدقيقة جدا،.. أرشدني النقيب "دفال" إلى حيث يتعين علي نصب خيمتي الصغيرة، "أكيطون"، Guitoune .. كنت أستظل بها في النهار في حين أمضي الليل في حفرة مكشوفة مثل البقية، توضع الخيام أرضا كل مساء، تجولتُ في المرعى، شاهدتُ خياما سمراء، ونساء يرتدين الأسود، سألت مرافقي عليون: - من هؤلاء؟ - خيام "كوميات" - لهم الحق في اصطحاب أسرهم قرب المربع العسكري؟ أليس في الأمر خطورة؟ - لا سيدي الملازم، "فارگيبات" لا يقتلون النساء. يضم المخيم ثمانية أوروبيين، وفصيلين من الرماة السود، وثمانين "كَومي"، قرابة مائتي بندقية، وثلاثين أسرة من الرعاة، ومئات من رؤوس الإبل.. إبل للحلب وإبل للذبح والركوب.. البيظان أول من يستيقظ فجرا، هكذا أخبرني "بسنوا"، ينهضون للصلاة في اللحظة التي يميزون فيها الخيط الأبيض من الخيط الأسود حسب تعبيرهم. تلقينا أوامر من فرنسا بالتوجه شمالا، فمنذ وطئ الجيش آدرار لم يتمكن من احتلال هذا الحيز.. نفذ صبرنا، كان علينا منذ أمد بعيد أن نشغل هذا الفراغ، أخيرا سنُطْبق على "الحنك"، سنطحن حفنة المحاربين الوقحين، الناهبين، قطاع الطرق، المقاومين أبدا للسلمية الفرنسية.. أنا هنا،.. أنا المخلب والضرس، فرقة شنقيط أصبحت فرقة "الجل"، وأرضها الجديدة تيرس الزمور، أرض "ارگيبات"، حيث كدية الجل التي يتخذها الأوغاد منفذا لغزواتهم، نظرا لقربها من الحدود الاسبانية، وقربها من بئر افديرك الوحيد في السلسلة، وعنده سنقيم مركز "قلعة گورو"، تيمنا باسم فاتح آدرار. -يتبع بإذن الله-

من صفحة Eddehma rim 

الثلاثاء، 8 أكتوبر 2019

أول يوم دراسي للرئيس.. في «مدرسة النصارى»





أول يوم دراسي للرئيس.. في «مدرسة النصارى» ------------------------------------- بدأت حياة جديدة تماماً بالنسبة لي بعد ديسمبر 1934. فقد كانت بداية المجهول بالنسبة لي، بداية دخولي معترك الحياة العصرية! لقد مكثت خمسة أعوام في مدرسة أبي تلميت، ونلت منها شهادة الدروس الابتدائية الأساسية الفرنسية العربية في يوليو 1939. وأذكر جيداً يوم دخولي المدرسة. كان ذلك قبيل الزوال بعد ساعات من مغادرة مخيم أبي الكائن وقتها بـ«عين السلامة» على بعد 10 كيلومترات إلى الشمال من أبي تلميت. وكان يرافقني «مسعود ولد هبول»، مرافق والدي الذي لا يفارقه. وقد قطعنا المسافة الفاصلة بين عين السلامة وأبي تلميت على ظهر جمل. وركب مسعود الرحل، وكنت رديفه. وقد أنخنا جملنا وعقلناه عند أهل الشيخ ولد جدو، على الكثيب الواقع إلى الشمال الغربي من القرية، وتوجهنا إلى المدرسة سيراً على الأقدام. وتوجد المدرسة في وسط القرية، بلا حائط ولا سور يفصلها عن باقي المباني. وكانت مبنية كلياً من الطين، شأنها في ذلك شأن كافة دور البلدة بما في ذلك المركز الإداري الذي زرته فيما بعد. وكان التلاميذ داخل الأقسام وقت مجيئنا. وبعضهم يقرأ أو يتلو بصوت عال، ويصل صدى أصواتهم إلى الخارج على الرغم من أن الأبواب والنوافذ كانت موصدة. ودخلنا الشرفة فإذا برجل ينتظر قدومنا، على ما يبدو، فاتجه إلينا عندما رآنا، واتضح لنا أنه المراقب. وتوجه إلى مسعود، العارف به فيما يبدو، وسأله: «هل هذا ابن محمدن ولد داداه؟»، فرد عليه مسعود بالإيجاب، فقال المراقب: «اتبعوني لأوصلكم إلى المدير». وازداد وقع ضربات قلبي الذي بدأ يخفق منذ وصولنا المدرسةَ. فقد شعرت بخوف شديد وأصابني الذعر، وانتابتني فجأة الرغبة في الفرار للعودة إلى الحي. وكنت في واقع الأمر شديد الاضطراب صبيحة ذلك اليوم أثناء السفر من عين السلامة إلى أبي تلميت، وما بين منزل أهل الشيخ ولد جدو والمدرسة بوجه خاص. وكان الخوف من المجهول، ومن فراق الأهل يثير قلقي بل ويهز كياني. غير أنني سرعان ما تذكرت نصائح والدي صبيحة ذلك اليوم، قبيل مغادرة الحي، فهدَأ روعي. لقد أوصاني الوالد قائلاًً: «أستودعك الله، لقد أصبحت رجلاً لأنك ستعيش مستقبلا بدون أسرتك معظم وقتك. وستعيش مع أطفال قادمين من مختلف قبائل ومناطق البلاد، منهم من هو أكبر منك، ومنهم من هو في سنك، والبعض أصغر منك. فاحذر من أن تدنس عرضنا أو تسيء إلى سمعة أسرتنا. ولذا يتعين عليك أن تتصرف بوصفك راشداً لا بصفتك طفلاً. حافظ بصرامة على دينك، وأدِّ بانتظام صلواتك، وواظب على قراءة القرآن، وثابر على صوم رمضان إذا بلغت الحلم. احترم معلميك وكل من هم أسن منك ولو كنت لا تعرفهم، وكن مؤدباً مع جميع الناس أينما حللت. وتحلّ، أينما كنت، بحسن الأخلاق، ورباطة الجأش والتحكم في النفس، بدل سوء السلوك المنافي لسمعتنا. وطبق مع أصدقائك الجدد وزملائك في الدراسة المثل القائل: (لا تكن حلواً فتبلع، ولا تكن مراً فتلفظ). وبعبارة أخرى، تجنب الشجار مع أصدقائك، وكن صريحاً، وفياً وكريماً معهم -ومع غيرهم من الناس- لكن لا تقبل تطاولهم عليك. لا تكن خصيماً، ولكن لا تكن جباناً. وكن طيباً مع كل الناس، ولا تكن أنانياً ولا مخادعاً. وبكلمة واحدة، يتعين عليك أن تسعى في ما يعلي شأننا ويرفع من سمعتنا التي لا ينبغي لك أن تدنسها بأي حال من الأحوال...». إلى غير ذلك من النصائح. ومع ذلك فقد ارتعدت فرائصي وأنا أرافق المراقب إلى المدير، وخامرني شعور غريب بأنني سائر باتجاه جرف هاو لا فكاك لي منه. ووجدت عناءً كبيراً في التكتم على نحيبي. واستقبلنا مدير المدرسة الجزائري، السيد بوعلام ولد الرويس، أمام باب مكتبه الذي كان واقفاً على عتبته. وكان يلبس سروالاً بيضانياً قصيرا وقميصاً أبيض قصير الكم. ولفتت نظري شدة بياض بشرته، إذ لم أر من قبل جسداً ناصع البياض إلى هذه الدرجة. فهناك بالفعل من مواطنينا من هم ناصعو بياض البشرة إلى حد وصفهم «بالنصارى». غير أن بياض جلودهم قد حدت منه سمرتها الناجمة إما عن قساوة ظروف حياة البداة في الهواء الطلق أو جراء ما تتركه لُثُمُ النيلة وملاحفها من آثار على الجسم أو تضافر هذين العاملين معاً. كما أن ثيابنا الوطنية تغطي معظم جسم الإنسان البالغ، سواء تعلق الأمر بالمرأة أو بالرجل. فالملحفة تغطي كامل جسم المرأة ما عدا الوجه واليدين، بينما تغطي الدراعة معظم جسم الرجل تبعاً للطريقة التي تلبس بها. وعليه، فلم أكن معتاداً على قوام لا يتحلى باللباس إلا جزئياً بحكم طبيعة ملابسنا الالتفافية. وهكذا تبدى لي المدير «ببياضه الناصع»!، تلك الدرجة من البياض التي لم أكن أتصور وجودها إلا لدى مَن نسميهم «النصارى» أو الأوربيين. بيد أنني لم أر حتى ذلك اليوم أياً من هؤلاء عن قرب. فقد رأيت اثنين أو ثلاثة من هؤلاء، عن بعد، في حي عبد الله ولد الشيخ سيديا. كان ذلك خلال إحدى زياراتي لأبي الذي كانت خيمته ما تزال وقتها ضمن ذلك الحي. وكنت أخاف النصارى حينئذ، وأهرب منهم. وتجدر الإشارة إلى أن أطفال الحي لم تكن لديهم ردة الفعل التي كانت لدي بوصفي من فئة الجبناء الذين يعتبرون أن هؤلاء المشركين أناس أشرار على الدوام. فلم يكونوا بالنسبة لي آكلي لحوم البشر، لكنهم كانوا أشباحاً أو غِيلاناً بشرية! أما الصنف الثاني من أطفال الحي الأهم عددياً، فهو صنف الشجعان الفضوليين المتراصين حول الخيمة التي تأوي النصارى، يحاولون الاقتراب منهم بالتسلل داخل الجموع المتزايدة الكثرة بمناسبة مرور الحاكم أو الحكام، ليروا عن كثب تلك «الحيوانات النادرة». ويعودون إلينا، معشر الجبناء المختبئين وراء بعض الخيام، تحدوهم نشوة النصر ليقدموا لنا أوصافاً غريبة للنصارى. إن هؤلاء يختلفون عنا، ولو كانت لهم رؤوس، وعيون، وآذان، وأنوف، وأفواه مثلنا..! ويطلق كل واحد من أولئك الأطفال العنان لخياله في وصف أوجه اختلاف الناس معنا.. ونصغي، نحن الجبناء، مذهولين إلى أقوال رواتنا بالمناسبة! ولنعد الآن إلى الحديث عن أول يوم لي بالمدرسة. فبعد تبادل سريع لتحية السلام بالحسانية بين مسعود والمدير الذي حياني باقتضاب، أمر مسعود بالذهاب، مما أثار مخاوف جديدة بالنسبة لي. فارتعدت فرائصي خوفاً واكتئاباً. ولم أتمالك عن النحيب عند ما رأيت مسعود يعود أدراجه ويبتعد عني. وقد أحسست برغبة شديدة في الجري وراءه للحاق به والعودة معه إلى الحي. وحاول المراقب مواساتي بعد أن طلب مني المديرُ مرافقته. وقادني المراقب إلى مخزن صغير قرب المكتب، حيث زودني الخازن بالأدوات المدرسية: كتاب التهجي بالفرنسية المسمى «ممادو وبناتا» (Mamadou et Bineta) ودفتران أحدهما للعربية والآخر للفرنسية، ولوح، ومقبض ريشة قلم، وقلم رصاص، وطبشور، ومسطرة، وممحاة. ولم يكن هناك كتاب للغة العربية. وكنت ما أزال مضطرباً، قلقاً، بل وحائراً. غير أنني قد استعدت رشدي شيئاً فشيئاً حينما تذكرت كلام والدي في الصباح وقد أوصاني قائلاًً: «أستودعك الله، لقد أصبحت رجلاً لأنك ستعيش مستقبلا بدون أسرتك..». ورافقت المراقب من جديد أحمل أدواتي بين يدي، وسار بي في الاتجاه المقابل للشرفة حيث يوجد الصف التحضيري الأول الذي سأدرس فيه. وفى نهاية الممر، دق المراقب باباً وفتحه في الحين وأدخلني الفصل. وأوقف معلم الفرنسية الشاب، السيد سيدي أحمد ولد محمد، درسه هنيهة ليرشدني إلى مكان شاغر على مقعد دراسي قريب من مكتبه. ونظر إلي كل التلاميذ بابتسامة ودٍّ ونكد، وكثيرون منهم كانوا أسن مني. ولم أكن أعرف أياً منهم، فعاودني الشعور بالقلق والخجل. وأشار إلي المعلم بالجلوس قبل أن يواصل درسه. وكانت تلك أول مرة أتعلّم فيها بعض الكلمات الفرنسية مثل «أثاث الفصل»، «أنا أجلس على مقعد دراسي»، «توجد أمامي طاولة».. فقد قام كل التلاميذ بترديد هذه الجمل الثلاث بصوت عال بعد المعلم، وحاولت بجهد جهيد محاكاة أصدقائي الجدد دون أن أوفق في ذلك تماماً. فهؤلاء قد التحقوا بالدراسة منذ عدة أسابيع، وتمرسوا بنطق اللغة الفرنسية، ويعرفون حروفها الهجائية. واستمعت لأول مرة في حياتي إلى صرير صفارة معلنةً بدء الاستراحة الصباحية. وتهافت التلاميذ على الخروج في ضوضاء وفوضى قمت بمسايرتها. غير أني بقيت منزوياً لما أشعر به من خجل. وفى الحال، تجمهر حولي عدد من الزملاء، وسألوني عن اسمي واسم أبي وعشيرتي، وموطني الذي جئت منه.. واستجابة لطلبي، دخلوا معي القسم وساعدوني في كتابة الجمل الثلاث المذكورة أعلاه، صوتياً بأحرف عربية على لوحي الجديد. ولم أعد أذكر بدقة عدد تلاميذ فصلي، إلا أنني أعتقد أنهم في حدود العشرين. وأتذكر أن هناك تلاميذ من مختلف ولايات موريتانيا تقريباً التي لم تكن تشمل الحوض التابع وقتها للسودان الفرنسي. وستتكون من هؤلاء التلاميذ «دفعة متميزة» ظل أعضاؤها يدرسون معاً حتى نالوا شهادة الدروس الابتدائية. ولم نلبث في المدرسة سوى خمس سنوات، بدل الست المعهودة، لأننا تجاوزنا السنة الأولى من المرحلة الابتدائية. وكنت ضمن المفرزة الأمامية صحبة محمد ولد محمد عبد الله من ألاك، ومحمد سالم ولد امخيطرات من المذرذرة، ووان إدريسا من ماتام الذي سيرتحل عنا قبل إكمال تلك المرحلة لمتابعة دراساته في سان لويس. أما أعضاء «الدفعة» الآخرون فهم: محمد المختار الملقب معروف، وأحمد بن أعمر، وهما من ألاك، ومحمد عبد الله ولد الحسن من المذرذرة، وسيدي أحمد الحبيب ولد الحسن من بوتلمببت. وربما أكون قد نسيت واحداً أو اثنين من هذه «الدفعة». وهناك زملاء آخرون في هذه السنة التحضيرية الأولى 1934-1935 مثل عبدي ولد يبه من تجكجه، ومحمد يحيى وأخوه الداه ولد سيدي هيبة من كيهيدى، واسويدي ولد المختار الملقب سيدي الصغير من تامشكط الذي وافاه الأجل منذ فترة.. وولد خطره من كيفه الذي توفي هو الآخر، وغيرهم ممن نسيت أسماءهم. ولدي شكوك فيما يتعلق بالمختار ولد أحمد ولد عثمان من كيفه هل كان من تلاميذ هذه السنة أو لم أتعرف عليه إلا في السنة الثانية؟ وتقلد العديد من أفراد هذه الدفعة مسؤوليات سامية في بلادنا. غير أنه يتعين علينا العودة مجدداً إلى أول يوم أمضيته في المدرسة! فقد دخلت جو المدرسة منذ تلك الاستراحة المدرسية الأولى في حياتي، وأصبحت مندمجاً في إطار حياتي الجديدة. وتلقينا في آخر ساعة دراسية من تلك الصبيحة درس القرآن المألوف لدي. وفى الساعة الثانية عشرة، أعلن صرير الصفارة نهاية الدوام، وسرت سير التلاميذ الذين توجهوا في مجموعات هامة نسبياً، وفى صخب وفوضى كبيرين، إلى القسم الداخلي الواقع على مئات الأمتار من المدرسة. وكان هذا القسم الداخلي مؤلفاً من عدة خيام منصوبة عند نقطة الخروج الشمالية الغربية من القرية. ونُصبت تلك الخيام في وسط الوهد، وأحاطت بها حظيرة من أغصان الأشجار الشائكة. وتوجد على مقربة منها دار المدير المبنية من الطين، شأنها في ذلك شأن حائطها البالغ طوله قامة رجل. ولزريبة القسم الداخلي باب واحد نصبت أمامه خيمة المراقب. وتولى تلك المهمة طيلة دراستي الابتدائية المراقب الشجاع محمد ولد إبراهيم العبد. وفى مدخل القسم الداخلي، توجه التلاميذ إلى خيامهم المعهودة، في حين استقبلني أحد كبار تلاميذ قبيلتنا، يدعى حماد ولد أمير، ليست لي به سابق معرفة واتجه بي إلى خيمة هو مسؤولها لا تأوي إلا تلاميذ من قبيلتنا لا أعرف منهم أحداً. وكان نظام القسم الداخلي على النحو التالي: فمن حيث السكن، هناك حوالي عشرة خيام، كل واحدة منها معدة لإيواء عشرة تلاميذ. ويتجمع هؤلاء بالأساس على قاعدة قبلية أو جهوية. بيد أن هناك بعض الخيام التي يتجمع فيها بعض كبار التلاميذ على أساس الألفة والصداقة. وتجدر الإشارة هنا إلى أنه كان يوجد حينئذ تلاميذ في سن المراهقة بل كان منهم من هو في سن الرجال القادرين على أن يصبحوا أرباب أسر! وبالفعل، فإن تردد معظم الأسر الناطقة بالحسانية تجاه المدرسة الحديثة بل وعداوتها لها، جعل الإدارة الاستعمارية تستقبل كل من يقبلون الالتحاق بمدرستها. وكان هؤلاء، في البداية، رجالا راشدين و«أطفالاً كباراً»، ولم يكن من بينهم أطفال. أما تجهيز خيام القسم الداخلي فكان متواضعاً. فهناك حصير أو حصيران أو ثلاث حصائر تبعاً لسعة الخيمة، وأغطية صغيرة فردية خلال فصل الشتاء. وخلال هذا الفصل تزود الخيام بستائر(آكوارير) قابلة للنقل، وهي عبارة عن قطع من القماش متفاوتة الطول والعرض تحيط بحصائر الخيمة من كل جانب. ويتم ربط الجزء العلوي من كل شريط بالخيمة، في حين يُغَطَّى جزؤه السفلي الملاصق للأرض بالتراب للحيلولة دون عبث الرياح به واجتياح التيارات الهوائية وحبات الرمل للخيمة. وغالباً ما كان لدى التلاميذ صناديق خشبية أو حقائب جلدية (تِيسَفْرَنْ) يحفظون فيها ما لديهم من أمتعة، أما أنا فلم تكن لدي. وبالفعل، فإنني حين مجيئي إلى المدرسة لم يكن بحوزتي سوى دراعة «بركال» البيضاء الجديدة التي ألبس ونعل جلود البقر المصنوعة محلياً. فلم يكن لدي لثام ولا سروال ولا نقود. وسأحصل بعد ذلك بأشهر على لثام وصندوق مصنوع من الألواح الخشبية اشتراهما لي «بارك الله». وكم كنت سعيداً وفخوراً باقتنائهما! وكان بارك الله هذا رفيقاً لوالدي ملازماً له، فأصبح بمثابة عمي وكنت أحبه حباً جماً. وكثيراً ما كان والدي يسند إليه مهمة مشترياته ومشتريات الأسرة. وفضلا عن ذلك، فإن والدي قد كلف أحد تجار القرية، إبان دخولي المدرسة، أن يقرضني ما احتاج من سكر وشاي وبسكويت وفستق وخبز، وكلها بكميات محدودة، ولثاماً وسروالاً ابتداء من نهاية السنة الدراسية 1936-1935. وكان «تاجري» خلال سنتي الدراسيتين الأوليين هو محمد ولد مياره، ثم أصبح الداه ولد أحمد بسات حتى نهاية دراستي الابتدائية. وعودةً للحديث عن القسم الداخلي، أشير إلى أن كل تلاميذه كانوا ممنوحين من قبل الإدارة، وبالتالي فهم محمولو النفقة والسكن، والملبس جزئياً، إذ توزع عليهم سنوياً ثلاث دراريع أو أربع. أما التغذية، فكانت على الطريقة التقليدية بطبيعة الحال. فلا أتذكر أن هناك فطوراً يقدم بصفة منظمة عدا الشاي الصباحي. وكان الغداء يتألف على الدوام من الأرز واللحم. ولم يكن هذا اللحم دائماً من النوع الممتاز، بل قد يكون أحياناً من النوع الرديء جداً الذي يتطلب مضغه أضراساً جيدة! أما العشاء، فهو بالأساس عصيدة (بلاَّخْ)، وفى النادر الكسكس المصنوع من الذرة الرفيعة مع اللحم. ولا داعي للاسترسال في الحديث عن نوعية تلك التغذية التي لا أستبعد أن تكون مشابهة جداً لتلك المقدمة في ثكنات «الرماة السينغاليين» وقتها. وقد كانت الكمية كافية نسبياً خاصة «لغير النهمين» مثلى والحمد لله، لكن هناك تلاميذ نسميهم «المضاعفين» لأنهم يأكلون وجبة شخصين أو يحتاجون إلى حصتين! وكانت تلك الأغذية الرخوة تقدم في صحون كبيرة من الحديد المطلي، وتتسع كل واحدة منها لوجبات عدة تلاميذ. لقد اندمجت في حياة «الخيمة» منذ يومي الأول في القسم الداخلي، كما اندمجت في القسم الذي نذهب إليه مرتين في اليوم. وننظم على مقربة من القسم الداخلي ألعاباً تقليدية مثل لعبة الأكعب التي هي على ما يبدو لعبة خاصة بموريتانيا، ولا أكاد أتذكر قواعدها وميكانزماتها. فهي عبارة عن أكعب (اَدْغُوغَه) حيوانات متوحشة من غزلان وأصناف مختلفة من الظباء وغيرها، ونادراً ما يكون من بينها أكعب زرافات، يتم نصبها بنظام معين أهدافاً على الأرض. ويكون بحوزة اللاعبين حجيرات للرمي مثقفة إلى حد ما، خفيفة الوزن بحيث يمكن للاعب قذفها من مسافة عدد من الأمتار محدد سلفاً. ويتمثل الهدف في إصابة وإسقاط كعب أو عدة أكعب بعدد من الأحجار محددة لا تتعدى الثلاث لكل لاعب، دون ملامسة خط مرسوم على الرمل خلف الأكعب، وفى جانب اللاعب. وتسمى تلك الأحجار «اَبَّارِيكْ» في الجمع، وبَارُوكَهْ في صيغة المفرد. وأعتقد أن هذه اللعبة التي تتطلب الدقة في الرماية لم تعد موجودة بفعل الانقراض شبه التام للحيوانات المتوحشة في موريتانيا، اللهم إلا إذا كان الشبان الموريتانيون اليوم قد شرعوا في استخدام أكعب الحيوانات الداجنة التي كان استخدامها محظوراً في ثلاثينيات القرن العشرين، أو اكتشفوا لعبة معاصرة بديلة. وهناك لعبة «التود»، وهي بحجم كرة التنيس، مصنوعة محلياً من الجلد المدبوغ، وتحشى حشواً تاماً بالخرق وتخاط بسير من الجلد. ولهذا الصنف من اللعب أشكال مختلفة لا يتسع المقام للتفصيل فيها هنا، وربما تكون ممارستها باقية إلى حد الآن. أما المصارعة فإن التلاميذ يمارسون منها أشكالا مختلفة، و«لم تكن نقطة قوتي الأساس»! فأنا بحكم طبيعتي المسالمة وضعفي الجسمي، لم تكن ألعاب القوى ورياضاتها محببة إلي ولم أمارسها كثيراً. وكانت عطلتنا في يومي الخميس والأحد، وكل يقضيهما حسب مستطاعه. فالبعض يبقى في القسم الداخلي ويمارس واحداً من الألعاب السابقة. بيد أن الغالبية تذهب إلى القرية، بعضهم إلى ذويه أو معارف أسرته الزائرين لأبي تلميت أو المقيمين فيها، والبعض الآخر يذهبون مع زملائهم الذين توجد بعض أسرهم في عين المكان. والمهم في الأمر أن يخرج المرء عن جو القسم الداخلي ولو للتجول في القرية والعودة إليه للغداء والخروج بعد الظهيرة. ولا نستطيع الخروج في المساء، فبالأحرى قضاء الليل خارج القسم الداخلي بحكم قوانينه، إلا بإذن خاص يمنحه المدير لأحد الأقارب أو الوكيل. لكن هنالك الخروج الليلي الذي يعرض صاحبه للعقاب إذا ما لوحظ رسمياً التغيب اللا قانوني. وفى تلك الحال هناك احتمالان: - أحدهما أن يفلح التلميذ في إبطال مفعول يقظة محمد ولد إبراهيم العبد المعروف بنباهته، باستخدام جملة من الأساليب تزاوج بين الدهاء والاحتيال، وتواطئ أهل القسم الداخلي الذين يقوم بعضهم بشغل محمد ولفت انتباهه بالحديث معه عن هذا الموضوع أو ذاك من «مواضيعه المفضلة» حينئذ، وهي حيلة تكللت بالنجاح أحياناًً. - وثانيهما أن يكون التلميذ من مجموعة «الأبناء»، أي أولئك المحميين من قبل المراقب الذين لا يبلّغ عنهم أبداً. وبوسع المرء أن يصبح من «أبناء» محمد ولد إبراهيم العبد بطريقتين غالباً ما تتحدان. فإما أن تكون هناك علاقات خاصة قبلية أو جهوية أو علاقات صداقة مع أسرة «التلميذ-الابن»، أو يكون بوسع هذا الأخير ملاطفة مراقبه بطريقة ذكية لا تثير انتباهه خاصة وأنه غير مرتش ولا ينبغي بحال من الأحوال التظاهر بمحاولة رشوته. ويعبر محمد عن تواطئه مع «أبنائه» بإشارة طرف أو يد خفية أو إيماءة بالرأس. كما يمكن الهمس بالتواطئ إذا كانت ثقة المراقب «بابنه» تامة، أي إذا كانت التجربة قد أقنعته أن «ابنه» رجل قادر على كتمان أي سرٍّ كان. ففي مثل هذه الحال، يستطيع محمد أن يهمس للمعني قائلاً: «اذهب هناك، ولفَّ ودُرْ بحيث لا أراك. لكن عليك أن تعود في الوقت الفلاني، وإلا فسأكون مضطراً للوشاية بك». ومن مصلحة المرء أن يكون صريحاً معه وأن يحترم مواقيته. كما يمكن أن يكون تواطؤ محمد ضمنياً. فإذا كانت علاقة الشخص ودية معه، فباستطاعته، حسب مواتاة الظرف، أن ينسحب خفية دون استشارته وأن يعود فيما بعد على أن يَحذَر من الوقوع في قبضة المراقب. غير أنه من المسلّم به لدى العارفين بالرجل أن خطر عقابه يحوم حولهم باستمرار. وبالفعل، يكفى أن يكون هناك تلميذ لديه حساب يريد تصفيته معك أو مع محمد، فيشي بك إليه ليقوم هذا المراقب بمعاقبتك ويتنكر لك ولو كان قد «أذن» لك في الخروج. ومهما يكن من أمر، فإنه يجب التسليم بتنفيذ العقوبة دون احتجاج، ودون أدنى إشارة إلى «إذنه»، وإلا فسيتنكر طويلاًً «لبنوتكم» إذا لم يتنكر لها إلى الأبد. وعندها ستودعون الخروج غير المأذون، إذ يخشى أن تنصب كل «رقابته اليقظة» عليكم ليظهر للتلاميذ الآخرين أن لا محميين لديه، وأن كل التلاميذ «أبناؤه»، غير أن «العمل هو العمل، وأنه ينبغي الاحترام التام للنظام وتعليمات المدير.. إلخ»، وغير ذلك من التصريحات الأكثر مدنية. وكان محمد ولد ابراهيم العبد أمياً لا يعرف القراءة ولا الكتابة، لكن لديه ذاكرة قوية. فهو يعرف حق المعرفة اسم كل تلميذ، واسم أبيه وفصيلته وقبيلته ومنطقته. فلديه «بطاقة» محكمة الضبط يحتفظ بها في ذاكرته لكل تلميذ، بدءاً بأعماله وتصرفاته منذ دخوله المدرسة وحتى تخرجه. وهو صاحب موهبة في إضحاك التلاميذ من كل الأعمار واستمالتهم -بل وتسليتهم- بما يرويه من قصص كثيرة ومتنوعة قابلة للتكييف مع ذوق كل واحد من جمهوره وعمره. فنضجه العمري وأصوله الحسانية -أو ما في معناها إذ كان مولى لأمير الترارزة- تسمح له أحياناً باستخدام لغة ملحونة ميالة إلى الاستعارة والتسلية. وبكلمة واحدة، فقد كان شخصية طريفة! لقد تحدثت أعلاه عن العقاب. ويتمثل هذا العقاب في الحرمان من الخروج في أيام العطل في مختلف مدارس «فرنسا ونافار». وتطول مدته تبعاً لجسامة الخطأ، إذ يتراوح بين نصف يوم، ويوم أو عدة أيام. ويقوم المدير أو أحد معاونيه بإبلاغ إبراهيم ولد محمد العبد بأسماء التلاميذ المعاقبين. و«يسجل محمد في ذاكرته العجيبة» كل الحالات ويحرص على تنفيذ العقوبات. وأُشير هنا إلى أنني لم أتعرض طيلة حياتي الدراسية إلى أي عقاب فردي. لكني بالمقابل تعرضت لعقوبتين جماعيتين. ويتعلق الأمر في الحالتين المذكورتين بتشويش في الفصل لم نشأ الكشف عن فاعليه الذين نعرفهم حق المعرفة. فكان علينا أن نتحلى «بالصرامة»، وأن لا نوشي بأصدقائنا! كانت المرة الأولى بعد أسابيع معدودة من التحاقي بالمدرسة. فقد استدعى المدير مجموعة من التلاميذ كنت من بينهم، إلى القسم المتوسط الثاني حيث كان يلقي درساً. وأوقفنا على ركبنا لبعض الوقت لم أعد أتذكره. ومهما كانت المدة، فإنه لم يكن ممتعاً بقاء المرء بضع دقائق جاثماً على ركبتيه وصدره ورأسه مستقيمان. ولم أعد أتذكر وضعية اليدين. أما المرة الثانية، فقد سجن كل فصلنا، وحرمنا من الخروج طيلة يوم من أيام العطلة. وكان معلمي للقرآن طيلة دراستي الابتدائية، السيد محمد ألفغ، أصيل منطقة المذرذرة والمتوطن في فصيلتنا، والمتزوج من خالة والدي. كان معلماً جيداً، لكنه كان أكثر من عانى من التشويش في المدرسة. فلم يتمكن من فرض وجوده على الرغم من مزاوجته بين حلمه الحقيقي وصرامته اللفظية التي غالباً ما يعبر عنها بأعلى صوت، بل يصرخ أحياناً. ويلجأ أحياناً إلى الشعر للتعبير بلطافة عن شكواه من تلاميذه الأكثر مشاغبةً، فينظم فيهم بيتاً من الشعر الحساني أو الفرنسي الممزوج بالحسانية ممازحاً ومتوعداً. ولم أر هذا المعلم بعد تخرجي من المدرسة، وأعتقد أنه قد توفي في الأربعينيات، رحمة الله عليه. وكان معلمي للعربية على مدى سنواتي الخمس في المدرسة الابتدائية، السيد المختار ولد أبنو. وكنت شديد الاحترام له كما هو شأني مع سائر معلمي وأساتذتي. ولم أكن الوحيد الذي يحترمه، فقد كان تلاميذ مختلف الدفعات التي تخرجت على يديه يكنون له التقدير والاحترام، وهو أهل لذلك. فلم يكن بيداغوجياً ممتازاً فحسب، بل كان كذلك على خلق عظيم مزج فيه بين الحلم واللطافة والرزانة. فلم يره أي تلميذ قط في حالة غضب! ولم يسمعه تلميذ رافعاً صوته! ويقال إنه لم يعاقب تلميذاً طيلة حياته المهنية! ففي حصة «السيد المختار»، كان أكثر التلاميذ مشاغبة وطيشاً صامتاً، هادئاً ومنتبهاً! وبقدر ما كان خلقه عظيماً، كان حسن المظهر جميل الهندام تهب منه رائحة العطر المواظب على استعماله. أما تدريس اللغة الفرنسية فقد تعاقب علي فيه خمسة معلمين، أي بمعدل معلم كل سنة دراسية. كان معلمي الأول في السنة التمهيدية الأولى، كما أسلفت، السيد سيدي أحمد ولد محمد أصيل منطقة المذرذرة، وهو شاب مرح يعلمنا ويسلينا بل يلعب معنا أحياناً كما لو كان صديقنا الأكبر. لكنه يعرف كذلك كيف يفرض احترامه ويرسم لنا حدوداً لا ينبغي تجاوزها. وأصبح معلمي في السنة التمهيدية الثانية السيد محمد ولد الشيخ الحسن أصيل منطقة أبي تلميت. كان من حيث المزاج أكثر انطواءً من سيدي أحمد، وأقل منه تجربة بيداغوجية. وكان في الواقع أصغر منه سناً بقليل. وكثيراً ما كان عرضة للتشويش. غير أنه كان لطيفاً مع تلاميذه، وقد احتفظت بذكريات طيبة عن سنتي معه. وقد ذكرت فيما سلف أن دفعتي قد تجاوزت السنة الأولى الابتدائية، أما في السنة الثانية فقد كان معلمي سينغالياً من ماتام يدعى السيد عيسى كان. إنه معلم لامع جداً لا يخلو من انطواء. وكان تعليمه «فوق مستوانا» أحياناً، لكننا استطعنا مسايرته بحكم قدراته التربوية. وفى القسم المتوسط الأول وجزء من القسم المتوسط الثاني، وجدت المعلم الذي أثر في أكثر من غيره طيلة حياتي الدراسية الابتدائية والثانوية والجامعية. إنه السيد بوبكر فال أصيل مدينة سان لويس السينغالية. وما زلت إلى اليوم اعتبر السيد فال مربياً لا نظير له! فلم أر قط معلماً مثله يعيش بوجدانه ما يعلم! إنه مستعد أن يفعل أي شيء وأن يلعب أي دور من أجل إفهام درسه لتلاميذه! فقد كان يلبس لكل حالة لبوسها ويتقمص شخصيات الموضوع المطروق. فهو تارة متسول، وطوراً سارق أو قاتل، أو تاجر، أو جندي، أو حرسي، أو زعيم أهلي، أو قائد أوربي (ضابط، رئيس مقاطعة، حاكم دائرة، والٍ، إلخ)، أو معلم مدرسة قرآنية وإمام مسجد، أو معلم، أو تلميذ، أو ما شئت أن يكون. وإذا أراد محاكاة الحيوان، فهو بالدرجة الأولى أسد، وفيل، وزرافة، وذئب، وضبع، وأرنب وحشي، وغزال، ونعامة، وحبارى، وحبيشة، وغراب، ودجاجة، وديك، وغير، وغير.. فقد كان يتمتع بموهبة كبيرة في الإيماء والمحاكاة تمكنه من أن يمثل أمام تلاميذه كل مشهد وكل حالة. وكنا بدورنا نستمع إلى دروسه باهتمام خاص. فلم نكن شديدي الانتباه فحسب، بل غالباً ما كنا مشدوهين، نتلقف كلامه. ويتمكن أقلنا نجابة، وهم الذين لا يستفيدون كبير شيء من المعلمين الآخرين، من فهم وضبط ما يقدم لنا من دروس! وفضلا عن ذلك كان يضع نفسه تماماً تحت تصرف تلاميذه. وكان مثل سقراط يعلم أينما حل وفى أي حين، أثناء الاستراحة، وفى الطريق من المدرسة إلى مسكنه، وفى منزله، أو من سكنه إلى المدرسة. وبكلمة واحدة، فإن حياته منوطة بطلابه الذين لا يعيش إلا بهم ومن أجلهم وأجل تعليمه. ولذا فإننا نكن له تقديراً واحتراماً لا حدود لهما. وكنا نحوم من حوله كلما سنحت الفرصة لا في المدرسة فحسب، بل وفى الشارع أيضاً، على الطريق المؤدية من المدرسة إلى الدار والعكس بالعكس. وكنت أحد أولئك التلاميذ المحظوظين الذين يحملون، من حين لآخر، أغراضه ويرافقونه مشياً على الأقدام من المدرسة إلى البيت. وكان ذلك شرفاً عظيماً ومصدر بهجة كبيرة، لاسيما وأن «حاملي أغراض المعلم» هم الطلاب الجيدون.. وخلال الفترة التي درسني فيها السيد بابكر فال، كان في الوقت نفسه مدير المدرسة مما زاد احتكاكه بتلاميذه. وفى النصف الثاني من السنة الدراسية 1938-1939، جاء الجزائري السيد بن موسى مصطفى ليخلف السيد فال في إدارة المدرسة وفى تعليم الفرنسية للسنة الثانية المتوسطة. وقد واصل إعداد قسمنا لامتحان شهادة الدروس الابتدائية الأساسية. وقد التقيت به مرتين أو ثلاثا خلال عطل سنتي دراستي الابتدائية العليا في سان لويس ما بين 1939 و1941. وكان سروري كبيرا وتأثري بالغاً حين اتصلت، بعد تولي السلطة، بجميع معلمي الوطنيين والأجانب في مدرسة بوتلميت الذين كانوا جميعاً وقتها على قيد الحياة ما عدا محمد. وقد عاملتهم جميعاً باحترام وتقدير خلال لقاءاتي المتكررة معهم، تلك اللقاءات التي كانت تتم في غالب الأحيان بمبادرة مني. وكنت أرد على تعجبهم من سلوكي معهم رغم وظائفي آنذاك، بأنني لم أقم إلا بواجبي عملاً بالقول المأثور: «من علمك حرفاً فهو مولاك». ولم يكن الحدث الكبير بالنسبة لي ولزملائي في الدراسة سنة 1939 هو اندلاع الحرب العالمية الثانية، وإنما كان نجاحنا في شهادة الدروس الابتدائية الأساسية! ولم نكن، بالطبع، أول من نالوا تلك الشهادة في هذه المدرسة، لكن كنا الدفعة الأولى التي نجحت بأعداد كبيرة بلغت الثمانية، بينما لم يتجاوز عدد الناجحين في الدفعات السابقة واحداً أو اثنين أو ثلاثة على ما أذكر. وإذا لم يكن هذا الحدث وطنياً قبل وجود الوطن نفسه، فقد كان حدثاً جهويا! ويكفى دليلا على ذلك الاحتفال الكبير الذي نظم لتسليمنا شهاداتنا وجوائزنا. فقد تم تسليمنا تلك الشهادات خلال حفل رسمي كبير نظم في 14 يوليو 1939 تحت رئاسة حاكم الدائرة محاطاً بمعاونيه وكبار شيوخ ووجهاء المقاطعة. وتمثلت جائزتي في كتاب لم أعد أذكر اسم مؤلفه، لكنني أذكر جيداً العنوان الأصلي للكتاب: «الريح والمطر» «Monsier le vent et Madame la pluie». ولا يعلم إلا الله ما آل إليه هذا الكتاب الذي قرأته وأعدت قراءته بتمعن دون أن أستوعب كل مضمونه. كما لا أعرف مصير شهادتي للدروس الابتدائية الأساسية. ويكفى لإدراك الأهمية التي منحتها السلطات الاستعمارية للحدث، أن نعرف أن شهادة الدروس الابتدائية كانت الشهادة الوحيدة التي يحصل عليها وقتها الموريتانيون، والناطقون بالحسانية منهم خاصة. ولذا كانت تكتسى أهمية كبيرة. وإكمالا للرواية عن ذكرياتي المتعلقة بفترة حياتي الدراسية في أبي تلميت، أضيف بصفة عشوائية ما عنَّ لي من ذكريات. فقد التحق بي في بداية السنة الدراسية 1935-1936 ابنا عمي محمد ولد مولود ولد داداه ومحمد ولد أحمدو ولد اباه. وإذا كان الأول ابن عم شقيق، فإن الثاني ابن عم وابن عمة. وتم تحويل المدرسة، في أواسط فترة دراستي بها، إلى بناية جديدة من الطين شيدت لهذا الغرض خارج القرية القديمة، على بعد مئات الأمتار إلى الجنوب الغربي منها. ومنذ ذلك الحين، أصبحت المدرسة منفصلة عن القرية، ولا يوجد بجوارها إلا منزل المدير المُشيَّدُ معها في وقت واحد. فهي تقع في أسفل الكثيب الذي أقيم على أعلى نقطة فيه المركز الإداري، وإلى الجنوب الشرقي من هذا الأخير. وقد رافق تحويل المدرسة هذا، بطبيعة الحال، تحويل «مخيم القسم الداخلي». وأصبحت في الفترة التي تم فيها تحويل المدرسة، أي في 1937 أو 1938، «مسؤول خيمة» من خيام القسم الداخلي. ولم أعد أذكر كيف يصبح التلميذ «مسؤول خيمة»؛ هل يتم بناء على اقتراح من مراقب «القسم الداخلي»؟ أم بطلب من مجموعة من التلاميذ؟ أم عن طريق الاقتراع؟ أم بقرار من المدير فقط؟ كما لا أتذكر صلاحيات «مسؤول الخيمة».
 المختار ولد داداه، «موريتانيا على درب التحديات»

 من صفحة  Mohed Elmona

Dhakou weinhou يكتب :الدهماء والبطريق



الدهماء والبطريق : قراءة ....eddehma rim ....كفرت الدهماء بالنموذج الوثن ....حررت كلماتها من بيت الطاعة وممارسة البغاء اللغوي في المعبد المعتم واجترارالصور المومياء .... نزعت عن حروفها تمائم الدجل البلاغي وتشريع السطو على تركة الآخرين....دخلت مدينتها في هدوء وفي الدهماء ...لتتمتع بالتجوال الحر بعيدا عن سجن حراسة التأمين ...رشت المبيد على الحشرات الملتصقة بجذوع الكلمات .......حررت كل الاستعارات والتوريات والتشبيهات والمحسنات من شراك المختطفين وسارقي الآثار القديمة ...شكلت مدينتها بمعمارية جديدة ...تمتعت باكتفائها الذاتي ...لا تستورد أدوات بناء ولا طلاء ولا غراء ولا ألوان ...هي التي تخلق في معملها السحري كل هذه الاشياء ...أحيانا تراقص المعنى ...تختله...ثم تتوقف وتمنحه فرصة أخرى للاختفاء ...لتتمتع أكثر بالقدرة على اقتناصه لكن في الوقت الذي تريد...أما أنا فدخلت هذه المدينة كالبدوي يجد نفسه فجأة بين العمارات وفي قلب أحياء راقية...سيتكرر فزعه من كل صوت ...من منهبات السيارات ...من ارتفاع الأذان في المكبر...من أبواق الترويج ...سيرد التحية للمسلمين في الهواتف المحمولة وهم لا يعنونه سيحاول أن يرى كل شيء في لحظة واحدة..فيزيغ بصره ...ويفقد السيطرة على حركاته وانفعالاته ...أمام باب المدينة وأنا أدخلها من جديد رأيت صورة البطريق ...كلمتا ( بطريق والساحل ) تدلان على أننا عرفنا البحر ذات زمان وإن ابتعدنا منه ...كنا نقول "البطريق" لنفخ "الزداح"...ثم انقلبت عليها كلمة بطرون ....لماذا اختارت الدهماء الدهماء ؟؟؟ ...أتذكرت قول أويس - وله قصة ذات متاع - لعمر بن الخطاب أكون في الدهماء؟؟!!! لكن ما لفت نظري أيضا هو اختيار البطريق ووقوفه على ميم الكلمة ...البطريق مع الدهماء رمز للعطاء ...رمز لصناعة الإنسان النبيل ...رمز لنبع المعرفة ...بياضه لون الطبشور وسواده لون السبورة السوداء ...لا تتقززوا ايها الناس من الإسقاط .. الدهماء تعرف أن الطبشور "أمضى اسلحة الفرسان "...تنقسم كلمة (الدهماء إلى قسمين الده + ماء) البطريق يقف على حلقة ميم (ماء) ...خرج من الحلقة الفارغة والدوران العبثي إلى المجهول...ووقف على بداية كلمة ( ماء) ...الماء هو الحياة ...والماء وطن البطريق...بقية الكلمة (الده) التي ينظر البطريق اليها هي رمال الشاطئ والمحار وما يقذفه البحر من قاعه من أشياء غير متجانسة...هي أرض اللقاء الكبير...والبيض ...والعاصفة والثلج ...في قلب عاصفة الرعد تصمد البطاريق لتكتب ملحمة خلود في أخطر قصص وجود...وهي تخاطب الزمهرير قائلة : مهما قسوت ، صغيري هنا س(ألده (من الولادة وهمزة القطع للقطع)) فيصبح عندنا (الده + ماء = الدهماء)...


من صفحة Dhakou weinhou 

الاثنين، 7 أكتوبر 2019

المخلص رقم 5 :الدهماء




الملخص.. 5 ............ الوصول إلى شنقيط أقسى منه إلى أطار، كنتُ جرّبتُ امتطاء الإبل، وخلال السفر عانت إليتاي،.. استقبلتنا مجموعة من "كَوميات" على بعد عشرين كلم من القرية، نظموا للضابط "ديفال" استقبالا خاصا بإطلاق الرصاص الترحيبي. شنقيط أكثر سحرا من أطار.. أنذروني أن البدو هنا أكثر تقليدية، وأن سكانها الزوايا الصارمين أكثر عدائية اتجاه الفرنسيين من محاربي أطار. وقد اتضح لي بسرعة أن ما قيل كان صحيحا، حيث يسود مناخ مسدود في الواحة الصَّابة عند سفح الكثيب، الناس حذرون وكتومون.. المنارة العتيقة تطل على الساحة.. الشيوخ يجلسون في ظل الحيطان يمررون سبحاتهم، النساء نظراتهن مكسورة.. الأطفال خجولون لا يُحيُّون بأيديهم، كل ذلك يُشعِر بالإسلام. في شنقيط، حسَّنتُ من مهاراتي وتعرفتُ أكثر على مجتمع البظان.. مجتمع اقطاعي، بأرستقراطية الامتيازات، وأرستوقراطية السَّيف، بتابعيه وفرسانه، كلهم حسّاسون للترتيب.. نصحوني بأن أحاذر. كان هناك أيضا مغنون متجولون، وصناع تقليديون وأقنان ومستعبدون، أحترتُ بداية وسألت قائد المركز: - كنت أظننا ألغينا العبودية - ألغينا المتاجرة بالعبيد، أما غير ذلك فقوله أسهل من فعله. - ألم نعتق العبيد؟ - لم نعتق شيئا نهائيا، إداريا هم عبيد بالمولد، لقد حرَّمنا فقط الاختطاف، وإذا قدم إلينا أحدهم هاربا، نصبح مجبرين على استقباله، لكن ماذا تريدنا أن نفعل؟ المدنيون طيبون بأفكارهم العظيمة، لكن لم يهيئوا شيئا ليتحول العبيد إلى عتقاء.. لا يهتمون، أين تريدهم أن يذهبوا؟ لا أُسر، لا مال، لا شيء، ليس لهم إلا أسيادهم. وكذلك لا يمكن أن نقوم بثورة في مجتمع دون أن نحدث فوضى.. على أية حال نحن العسكر، ليس هذا شأننا، ما يهمنا هو حسن سير الأمور، ولا يجب التعويل علينا في هدم الأمور التي تسير بشكل جيد. كانت فرقة شنقيط تضم خيرة "المهاريست"، ففرقة "اترارزة" قد أبيدت في أم التونسي، بينما عرفت فرقة أطار هزائم مدوية، في الطرفاية 1925م، وكانت المعركة الأطول والأكثر دموية في تاريخ موريتانيا، ثم في السنة الفارطة في "توجنين". ضمت فرقة شنقيط أيضا النقيب "لكوك"، هذا البطل الذي تعقَّب أمير آدرار خلال غارة مثيرة. لم أفهم جيدا الطبخة السياسية التي كانت وراء ذلك، كل ما أعرفه أن أميرا خائنا قتل أحد ضباط النقيب "لكوك" يدعى "موسات"، طعنه رجال الأمير في الظهر وهو يتناول شاي الضيافة، قتل تحت الخيمة في تناقض مع كل أصول الضيافة البدوية، نجح أحد الرماة المرافقين له في الفرار من مسرح الحادثة ليبلغ النقيب "لكوك" بما حصل، جمع هذا الأخير نخبة من الرماة بمدافعهم الرشاشة، وبعض "كوميات"، وكان من ضمنهم من له أخوة مع الأمير، تعقبهم لثمانية أيام وقد كان الأمير أكثر عددا لكن الغلبة للمباغتة،.. تولى "لكوك" قتل الأمير بنفسه، وعلق جندي خدمته من الرماة رأس الأمير على راحلته وهو من قطعه بمنجله، وكلما صادفهم مخيم في الطريق، يجرون اتجاهه، يدورون حوله ويلوحون بالغنيمة الشريرة، رأس الأمير.. لقد كان من حسن حظي أني التقيت هذا الضابط أثناء مروره من شنقيط باتجاه الجنوب.

من صفحة Eddehma rim